هل هناك تفسير متماسك للتشوش الملتبس الذي يتمثل في سياسة إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما حيال مصر؟
ربما كانت وجهة النظر المتسامحة هي أن الإدارة الأميركية تتحدث عامدة بلسانين، فهي في بعض الأحيان متعاطفة مع من يتولون مهام صنع القرار في مصر، وفي بعض الأحيان مناوئة لهم، لأنها متضاربة في إهاناتها على نتائج ما تشهده مصر من أحداث. فقد أعلن المبعوث الأميركي إلى القاهرة فرانك ويزنر، في مؤتمر صحافي في واشنطن، أن القيادة المصرية تكتب الآن تراثها الذي ستتركه للأجيال، وفي المؤتمر الصحافي نفسه أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أن الإصلاح الديمقراطي ضرورة استراتيجية على حد تعبيرها.
والتفسير البديل لهذا التشوش هو أن الإدارة الأميركية ليست لديها فكرة عما تفعله. وفي ضوء التطورات الأخيرة المتعلقة بالمواقف الأميركية فإنني أجد نفسي أكثر ميلاً نحو وجهة النظر الأولى.
إذا ما الذي يتعين على الإدارة الأميركية القيام به الآن؟ فيما يلي اقتراحات بسيطة في هذا الصدد:
1ـ تحديد أسوأ السيناريوهات والأولويات. وفي مواجهة هذه السيناريوهات الكابوسية يتعين على واشنطن أن تعمل باتجاه مستقبل ديمقراطي بشكل أكبر لمصر، ولكن هذا لا ينبغي أن يكون الهدف الأولي للسياسة الأميركية، فالصدارة ينبغي أن تعطى بعدم تمرير أسوأ النتائج.
2ـ تحديد موقف: حتى الآن فإن مبادئ واشنطن على نحو ما تصفها هيلاري كلينتون هي تشجيع الانتقال المنظم في مصر بعيداً عن العنف، والذي يتوج بإجراء انتخابات حرة ونزيهة. وهذا لن يجدي نفعا حقا. إنه أمر طيب أن تدعم الولايات المتحدة عملية من هذا النوع أو تتعهد بتقديم دعمها لخيار الشعب المصري، ولكن لا يمكنها أن تكون لامبالية حيال نتائج ذلك الاختيار. وعندما تتحدث هيلاري كلينتون عن الانتقال فإن المرء يحتاج ان يسأل: انتقال إلى ماذا؟ ومن الردود الممكنة في هذا المجال ان مصر تحترم حقوق الفرد والملكية الخاصة وحكم القانون والتزاماتها الدولية.
3ـ فهم إمكانيات الحاضر: لا يريد أحد أن تعود مصر إلى الوضع القائم، ولكن آخر شيء ينبغي أن تريده الولايات المتحدة في شوارع القاهرة هو ثورة، وبحسب التيارات الحالية فإنه لن تكون هناك ثورة، فالاحتجاجات يقل نطاقها شيئاً فشيئاً، والحياة تعود إلى مسيرتها العادية، وتدور الآن عملية يمكن وصفها بأنها مفاوضات لا تنتهي بين الأطراف المختلفة. والسؤال الحقيقي هو ما إذا كان ما سيجيء في مصر بعد ذلك رد فعل أم إصلاح.
4ـ ساعدوا وأصروا: تتوافر لدى إدارة أوباما فرصة للميل بمصر نحو الإصلاح، بل والالتزام بالعمل الحزبي متعدد الأطراف في غمار ذلك. ويشير إلى قول جون ماكين في هذا الصدد: إننا بحاجة إلى أن نكون مساعدين بصورة أكبر، ولكن مصرين أيضاً بصورة أشد» وهو يقصد بذلك ربط الفوائد مثل المساعدة الخارجية والدعم الفني، والوصول إلى الأسواق بعملية إصلاح انتقالي حقيقية.
5ـ ممارسة فن الممكن: تعد هيلاري كلينتون على حق تماماً في قولها إن الديمقراطية هي ضرورة استراتيجية على الأقل في المدى الطويل. أما الديمقراطية الآن فهي قصة أخرى.
ويبحث المصريون الآن عن نموذج جيد للانتقال، وهناك النموذج التركي الذي ظل الجيش فيه يمسك بالمقاليد على امتداد عقود عدة، ولكنه سمح للحكومات المدنية بقدر من الانطلاق، وهناك النموذج المكسيكي الذي منح الرئيس سلطات شبه دكتاتورية، ولكنه قيدها بمدة لا تتجاوز 6 سنوات. فهل يخطئ المصريون في مسيرتهم إذا اتبعوا صيغة ما من هذين النموذجين؟ ربما لم يكن الأمر كذلك، وهل تستفيد الولايات المتحدة إذا فعلوا ذلك؟ في ضوء البدائل الواقعية من المؤكد أنها ستستفيد.
