دفنت في تلال أفغانستان القاحلة عظام أعداد لا حصر لها من الأجانب على امتداد القرون. كانوا غزاة وتجاراً ربضت قوافلهم وحشودهم بين آسيا وأوروبا. وكانوا أيضاً مغامرين يسعون لتجريب حظهم، ورجالاً سرعان ما يشقون طريقهم إلى الصدارة. وليس من قبيل المصادفة أن سلسلتها الجبلية الأكثر شموخاً وهي هندوكوش يعني اسمها حرفياً «قاتلة الهندوس».

وليست أميركا إلا القوة الأجنبية الأخيرة في سلسلة ممتدة من القوى التي حاولت إخضاع أفغانستان لإرادتها.

ولأميركا في هذا الصدد حلفاؤها، وهناك نوعيات من الأجانب أكثر اختلافاً في كابول اليوم منها في أي وقت مضى في تاريخ البلاد المخضب بالدماء، حيث أرسلت ‬48 دولة ‬131730 جندياً للخدمة في صفوف قوات التحالف المعروفة باسم «إيساف». ووقعت العديد من الدول على اتفاقيات في هذا الشأن لإرضاء الأميركيين، حيث كانت أفغانستان مقبولة بشكل أكبر من العراق في هذا الشأن.

وأكثر من ثلثي القوات الأجنبية المرابطة في أفغانستان هم من الأميركيين، ولم يتردد بعض المراقبين في وصف إيساف بأنها «تحالف الراغبين المترددين».

وعلى الرغم من أن أولئك الذين يخدمون في هذه القوة يؤدون واجبهم إلا أن حكوماتهم وسكان بلادهم يفقدون حماسهم لمشروع أميركا. ويقول نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن إن الولايات المتحدة ستكون على استعداد لدعم أفغانستان بعد ‬2014، وهو العام الذي تعلق فيه الآمال بشكل غير واقعي على أن أفغانستان ستسيطر على مقاليد أمنها، ولكن كثيراً من الحلفاء ليسوا على استعداد لمواصلة البقاء إلى أبعد من هذا كثيراً.

يشكل البريطانيون ثاني أكبر قوة مرابطة في أفغانستان بعد الأميركيين حيث يصل عددهم إلى ما يقل قليلاً عن ‬10 آلاف رجل. وتحتل ألمانيا المرتبة الثالثة حيث لها قوة قوامها ‬4000 رجل، تليها كندا وفرنسا وإيطاليا وبولندا، ولكل منها ‬2000 رجل في أفغانستان. أما الدول الأقل تمثيلاً في قوة إيساف، فهي النمسا، أيسلندا، إيرلندا، ولكسمبورغ، ولكل منها أقل من عشرة رجال في أفغانستان.

وبالطبع فليست كل هذه القوات منخرطة في القتال في أفغانستان، وأولئك الذين انخرطوا في القتال مثل البولنديين والكنديين، الذين شهدوا اشتباكات عنفية في الجنوب يقومون حالياً بإنهاء دورهم القتالي. وقد نشر آخرون مثل الألمان في أماكن ساد الاعتقاد بأنها آمنة نسبياً، ولكنهم الآن بعد انتشار عمليات القتال على نطاق واسع يتعرضون للأخطار كذلك.

وهناك آخرون يقومون بمهام الحراسة. وعلى سبيل لمثال فإن المقدونيين يحرسون مجمع إيساف في كابول، وهو مجمع هائل تمتد فيه الممرات المحصنة وتحيط به الأسوار المدعمة، ويحب المقدونيون أن يقولوا إنهم كانوا أول من شق الطريق إلى هناك، وذلك لأن الإسكندر الأكبر شق طريقه إلى وادي نهر كابول قبل ‬2500 عام من الآن.

وتقع الأنظار على جنود منغوليين أيضاً، ويقول البعض متهكمين إنه عندما كان المغول يسيطرون على آفاق العالم لم يكن جنكيز خان يهتم كثيراً بالقلوب والعقول.

وهناك أعداد كبيرة من المدنيين الأجانب الملحقين بالسفارات وشركات الأمن الخاصة وشركات المقاولات والمنظمات غير الحكومية. وعلى سبيل المثال، فإن العهد تقوم بتنفيذ أحد أضخم مشروعات البناء في أفغانستان. وعدد من القنصليات في الولايات يثير جنون الباكستانيين.

وتساعد دول كثيرة في تدريب الجيش والشرطة الأفغانيين، وهو الأمر الذي يمكن أن يكون مصدر حيرة للأفغان بسبب اللغات وأساليب التدريب المتباينة، ولكن العاملين في صفوف «إيساف» يجعلون من التعدد ميزة، ويقولون إن هذه الظاهرة يمكن أن تكون مفيدة إلى حد بعيد، لأن هناك العديد من الدول التي لديها مهارات يفتقر إليها الأميركيين. فطائرات الهليوكوبتر الروسية يعتقد أنها الطائرات الأفضل بالنسبة لأفغانستان، وذلك بسبب بساطتها النسبية وسهولة صيانتها، ولكن الأميركيين ليست لديهم تجارب في التعامل معها. غير أن التشيك والبولنديين والمجريين يتمتعون بهذه التجربة وكذلك فإن أميركا لا تتمتع بخبرة في ما يتعلق بقوة الشرطة، ولكن الإيطاليين يمتلكون هذه الخبرة.

والعدد الأكبر من الأجانب الموجودين في أفغانستان حالياً هم بالطبع من الأميركيين، والسفارة الأميركية المطلة على دار عرض سينمائي هائلة مشيدة على طراز عمراني أوروبي قديم «آرت ديكو» هي الآن أكبر سفارة أميركية في العالم، وذلك بعد أن تجاوزت في هذا الصدد السفارة الأميركية في بغداد. وقد أقام السفير الأميركي لدى كابول كارل إيكنبيري أخيراً حفلاً صغيراً كشف فيه النقاب عن الخطط المتعلقة بالسفارة الآخذة في التوسع من حيث البناء وذلك ليعطي إشارة واضحة للأفغان إلى أن الأميركيين لن يغادروا البلاد في المستقبل القريب.

وما على المرء إلا أن يقوم بزيارة حي شيربور ليجد أنه وراء سور مرتفع تمتد فيه مقبرة الأجانب القديمة، وقد دفن فيها الجنود البريطانيون الذين توجه أجدادهم إلى أفغانستان للمرة الأولى في إطار الحرب الأفغانية لعام ‬1919.

ويرقد في هذه المقبرة ليفتنانت سان جون وليم فوربس من كتيبة غوردون هايلاندر، الذي سقط قتيلاً خلال صعوده مرتفعات تختشان في ‬1879. وعلى مسافة قصيرة من قبره شاهد قبر توماس ليتل المولود في نيويورك، وهو أحد العاملين في مؤسسات الإغاثة الأميركية العشرة الذين قتلهم رجال طالبان العام الماضي.

وهنالك شاهد لقبر غايل وليمز الذي اطلقت النيران عليه في أحد شوارع كابول في عام ‬2008 للاشتباه في قيامه بأنشطة تبشيرية. ويقع قبره قرب أرمين فرانز، وهو ألماني قتل خلال الخدمة في صفوف إيساف في عام