قد يتساءل المرء ما الذي خطر ببال جورج بوش وهو يتابع من داره في هيوستن، التي ينعم فيها بالتقاعد المريح، ما يجري في الشرق الأوسط أو ما الذي يدور بذهن توني بلير وهو يتابع القنوات الفضائية من مكتبه في القدس الشرقية من الملاحظ أن الرئيس الأميركي السابق قد ظل صامتا حتى الآن، بينما انطلق رئيس الوزراء البريطاني السابق يدعو للاستقرار عبر العديد من القنوات الفضائية، ولكن ألا ينبغي أن يدور بذهنهما سؤال محدد: ألم ينجح الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما حيث فشل على نحو باهظ الكلفة؟
عندما حشد الزعيمان قواتهما للإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين بالقوة قاما بذلك حسب تصورهما لتنحية ما نظرا إليه باعتباره تهديدا، ولكن هذه لم تكن الأجندة الكاملة، وبصفة خاصة بالنسبة لبوش، فقد نظرا إلى العراق على أنه منصة واعدة للديمقراطية في الشرق الأوسط الأوسع نطاقا، وتعهد بتسريع هذه العملية وساورهما الحلم بأنهما مع إقرار حكومة منتخبة في بغداد سيكون هناك تناغم مدني ومصدر آمن للنفط، وستحذو دول أخرى في المنطقة حذو العراق.
لقد أظهرت السنوات السبع الماضية في العراق والتحقيقات الرسمية المتوالية في بريطانيا كم كان هذا التفكير خاطئا، ولكن ربما لم تكن فكرة اجتذاب الديمقراطية لأبناء المنطقة بعيدة عن المنطق، على نحو ما بدت في ذلك الوقت. ربما لم يكن الخطأ في الفكرة وإنما في التوقيت، وربما كان الخطأ في المقام الأول في الطريقة التي تتم اتباعها.
لقد اتبع أوباما منهاجا مختلفا تمام الاختلاف عن سابقه، وخلال حملته الانتخابية وقف ضد حرب العراق، وأعلن رفضه لفرض الديمقراطية. وربما يبدو هذا أقرب إلى الفطرة السليمة.
وقد مكنت حرب العراق أوباما من دخول البيت الأبيض بالرسالة المناقضة على وجه التقريب لرسالة بوش، فقد ذهب إلى القول بأن الديمقراطية شيء جيد بالنسبة للشرق الوسط، ولكنها يجب أن تجيء من الداخل، وقال إن الولايات المتحدة تحت قيادته لن تملي على الدول الأخرى كيف ينبغي أن تنظم حياتها.
وقد كان هناك ولا يزال الكثير من الأميركيين الذين ينظرون إلى مثل هذا المنهاج باعتباره منهاجا انهزاميا، ويعني التخلي عن التزام أميركا بالدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان.
ولم يكتف أوباما بدفع السياسة الخارجية الأميركية في طريق العودة إلى الاتجاه الواقعي، الذي تبناه سلفه الديمقراطي بيل كلينتون، وإنما جمع بين هذا التحول وبين درجة غير مألوفة من الوعي الثقافي التي تجلت بـأوضح صورة في الخطوات التي اتخذها نحو الدول الإسلامية. وكانت من أبرز خطواته في هذا الاتجاه الخطاب الذي ألقاه في جامعة القاهرة ووجهه إلى المسلمين في كل مكان. ولوح أيضا بغصن الزيتون مرة أو مرتين إلى طهران.
وقد مال المجتمع المهذب على جانبي الأطلسي إلى النظر إلى هاتين المبادرتين باعتبارهما مبادرتين شجاعتين ولكنهما لم تصلا إلى نتيجة، وتساءل البعض: « إلى أين وصلت هاتان المبادرتان بأوباما، ألم يؤد إصراره إلى التدني بمكانة الولايات المتحدة؟س
وبعد عام ونصف العام من خطاب جامعة القاهرة فإن هذا الخطاب يبدو أنه قد دفع البعض للتوصل إلى استنتاجات خاطئة.
وإذا عدنا إلى مضمون هذا الخطاب فسيبدو واضحا في التو إلى أي حد كبير تحول أوباما بالأجندة الأميركية، وإلى أي حد بعيد يظل التزامه بالديمقراطية النابعة من الداخل.
في إبريل 2009 كانت الأولويات الأميركية يتصدرها التصدي إلى الإرهاب وتحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بينما جاءت الديمقراطية كموضوع مستقل في المرتبة الرابعة من هذه الأولويات.
ولكن لغة أوباما تتألق من منظور المحللين اليوم في خطاب جامعة القاهرة، باعتبارها متفقة إلى حد كبير مع كل ما يقوله ويطالب به المحتجون على امتداد الشرق الأوسط. فقد قال أوباما في خطابه في جامعة القاهرة: «إن كل أمة تعطي هذا المبدأ الديمقراطي الحياة بطريقتها الخاصة، حيث إنه يضرب جذوره العميقة في أطراف شعبه، ولكن لدي اعتقاد لا تراجع عنه بأن كل شعب يتوق إلى أمور معينة: إلى القدرة على التعبير عن الرأي، وإلى تحديد الطريقة التي يحكم بها الشعب، وأيضا الثقة في حب القانون والإدارة المتساوية للعدالة والحكم الذي يتسم بالشفافية ولا يسرق من الناس، والحرية في أن تحيا كما تختار».
وفيما يتعلق بالحكومات فقد قال أوباما في الخطاب نفسه: «أي كان المكان أللذي يستقر فيه مبدأ الحكم للشعب، ومن أجل الشعب، فإنه يحدد معيارا واحدا لكل من يمسكون بمقاليد السلطة: لا بد لك من الحفاظ على سلطتك من خلال الموافقة وليس الإجبار، ينبغي أن تحترم حقوق اللأقليات، وينبغي أن تساهم بروح التسامح والوصول إلى الحلول الوسطى».
ربما غرست مبادرات أوباما الأولى هذه بذرة، على نحو ما فعلت انفعالات ثاتشر ذات يوم مع الكثيرين من الشباب الذين كانوا يعيشون في ظل الشيوعية، ربما كانت هذه البذرة تحمل ثمارها على امتداد العلم الإسلامي.
