عندما بدأت موجة الاحتجاجات، التي اجتاحت الشرق الوسط انطلاقا من تونس قبل شهرين، لم يدر بخلد المحتجون أنهم بسبيلهم إلى إخراج الرئيس التونسي من سدة الرئاسة ومن تونس كلها. لا فقد كانت في أذهانهم مشكلة أكبر وأوسع نطاقا بكثير، لقد كانوا يعاونون من الجوع.
غير بعيد عن تونس، وعلى وجه التحديد في الجزائر المجاورة، اجتاح الشباب الشوارع وهم يهتفون: «إجلبوا لنا السكر».
وفي عاصمة عربية أخرى رد وزير المالية هناك على مظاهرات الاحتجاجات الأولى بخفض أسعار السلع، وذلك « لمساعدة الفقراء والطبقة المتوسطة على مواجهة الزيادة العالمية في الأسعار الغذائية» حسب تصريحه.
يتجه العالم في الوقت الحالي إلى أزمة غذاء مجردة وذلك بعد 3 سنوات من الأزمة الأخيرة في 2008، وهذا الاعتبار، وليس الإصلاح السياسي، هو الذي أطلق الاحتجاجات والتظاهرات في العالم العربي وخارجه إلى أن غادر الرئيس التونسي سدة الرئاسة في 14 يناير الماضي، وبعد ذلك صوبت الاحتجاجات على الجوع عاليا.
الآن، وأيا كانت النتائج النهائية بما يجري في العواصم العربية التي شهدت الاحتجاجات، وغيرها من العواصم الموضحة، للمضي في الاتجاه نفسه، فإن الملايين من الناس في هذه الدول سيظلون غير قادرين على الحصول على ما يكفي من الغذاء لعائلاتهم.
وقد أكد مكتب الأمم المتحدة الذي يرصد وضعية إمدادات الغذاء العالمية خلال الشهر الماضي أن الأسعار العالمية للأرز، القمح، السكر، الشعير واللحم قد وصلت إلى مستويات قياسية، وربما تواصل الزيادة في الشهر المقبل. وهذه القائمة من المواد الغذائية، المتأثرة في الزيادة في الأسعار، أوسع نطاقا بكثير من آخر قائمة أعدت في هذا الشأن، ففي عام 2008 أطلق على التظاهرات التي اندلعت في العديد من مناطق العالم اسم اضطرابات الخبز، وذلك بسبب السعر المرتفع للحبوب.
وفي أواخر الشهر الماضي حذر البنك العالمي من أن اليمن معرضة بشكل خاص لمواجهة صدمات الأسعار الغذائية، وذلك بسبب الفقر المدقع، ولأن صنعاء تستورد معظم احتياجاتها من المواد الغذائية. وبعد ذلك بـأيام قلائل انطلق الألوف من المتظاهرين اليمنيين إلى الشوارع معربين عن احتجاجاتهم وأعلنت الحكومة في نهاية المطاف أنها ستفرض ضوابط على الأسعار، ولكن دول الشرق الأوسط ليست الضحايا الوحيدة في الشرق الـوسط.
لقي 13 شخصا مصرعهم في موزمبيق في الخريف الماضي خلال اضطرابات سارت حول سعر الخبز، وحذر رئيس سريلانكا أبناء شعبه من أنه ليس بمقدورهم استيراد الغذاء لتخفيف الأزمة لأن دولا أخرى عديدة تواجه متاعب خطيرة في هذا الصدد أيضا. وفي كينيا أعلنت أجهزة الإعلام أن خمسة أشخاص قد ماتوا بالفعل من الجوع.
وعلى امتداد العالم، حسبما تفيد تقارير الأمم المتحدة فإن هناك مليون شخص يعيشون على حافة التضور جوعا، وهؤلاء هم الناس الذين يعيش الواحد منهم يوميا على دخل قدره دولار واحد يوميا ، وعندما ترتفع أسعار المواد الغذائية التي يعيشون عليها بشكل يومي، مثل الأرز والذرة والقمح، فإنهم لا يعودون قادرين على شراء الغذاء.
في سريلانكا على سبيل المثال ارتفعت الأسعار بالنسبة لهذه المواد الغذائية الأساسية بمعدل 30٪ في الشهور الأخيرة. وتقول منظمة اليونسيف إن 15٪ من أطفال سريلانكا الرضع يتعرضون للموت جوعا.
على من يقع اللوم في هذا كله؟ إنه يقع على أميركا والدول الغنية الأخرى بالمقام الأول. فعندما ترتفع أسعار سلعة ما يبادر المضاربون الغربيون إلى شراء حصص من هذه السلعة الأمر الذي يزيد من ارتفاع أسعارها ، وبعد أن سمع المضاربون في أغسطس الماضي عن محصول القمح السيئ في روسيا وأوكرانيا، بادروا إلى رفع أسعار القمح بنسبة 80٪. وفي الوقت نفسه عندما ترتفع أسعار الوقود عاليا، كما هي عليه الآن، فإن الطلب على الإيثانول يزيد، والإيثانول يشتق من الذرة، وواشنطن تقدم دعما للذرة المستخدمة كوقود، وتعد الولايات المتحدة أكبر منتج للذرة، ولكن 40٪ من محصولها يتم تحويله الآن إلى إيثانول، وكنتيجة لذلك فإن أسعار الذرة قد ارتفعت بنسبة 66٪. ويلعب المناخ المتقلب بصورة غير مألوفة دورا في هذه الظاهرة كذلك، فقد أدت الفيضانات وموجات الجفاف والعواصف وحرائق الغابات في أستراليا، الفلبين، روسيا، أوكرانيا، وجنوب إفريقيا من ضمن دول أخرى عديدة إلى تقلقل المحاصيل، ويلقي الخبراء الزراعيون اللوم على التغير المناخي، ويتنبأون بما هو أسوأ في السنوات المقبلة.
ترجمة ـــ عمر حرزالله
