يريد الإسرائيليون أن يعبروا عن ابتهاجهم حيال الاحتجاجات التي شهدتها ميادين بعض العواصم العربية، ويريدون الاعتقاد أن هذه هي لحظة 1989 الخاصة بالعالم العربي، وهم يقولون إنه ربما سيحل تقويم موضوعي لما يجري في المنطقة محل لوم إسرائيل عن كل ما تشهده هذه المنطقة من العالم من شرور.
ولكن قلة من الإسرائيليين، حقا، هي التي تعتقد أن هذه ستكون النتيجة في نهاية المطاف. وبدلا من ذلك يبرز الافتراض الكئيب القائل إنها مسألة وقت قبل أن تبرز مجموعات المعارضة الحقيقية في العواصم العربية المعنية. ويخشى الإسرائيليون أن هذه العواصم ستمضي في الطريق، الذي سبق أن مضت فيه دول أخرى مثل تركيا.
وأيا كان المدى الزمني الذي يجب تصوره، أو الطريقة التي ستتطور بها الأحداث، فإن النتيجة ستكون نهاية أهم العلاقات بالنسبة لإسرائيل والعالم العربي، حيث أعربت قوى سياسية عربية عديدة على امتداد وقت طويل عن معارضتها لمعاهدات السلام مع إسرائيل، وتطلعها إلى إسقاط تلك المعاهدات إذا أتيح لها الوصول إلى السلطة يوما. وفي ضوء سيطرة حماس على قطاع غزة، وازدياد قوة حزب الله في لبنان، وتفكيك التحالف الإسرائيلي التركي، فإن تطور الأحداث في العواصم العربية المعنية في هذا الاتجاه يمكن أن يفرز كابوسا إسرائيليا مطلقا، أي عيش الإسرائيليين في بلد يحيط به من يرفضون أي حوار معهم.
ويرى العديد من المحللين الغربيين أن القوة السياسية المشار إليها في العواصم العربية تعطي الأولوية للقضايا الاجتماعية، وتهتم بتوفير العيادات الطبية والتعليم الخاص والخبز للفقراء، وحتى إذا كان هذا صحيحا فإنه لا يحمل كبير عزاء للإسرائيليين، الذين يخشون من مواجهة عزلة مطلقة في الشرق الأوسط والعديد من أرجاء العالم أيضا.
والواقع أن هذه القوى، التي يشير إليها المراقبون الغربيون، كانت هي نفسها التي طالما تحدثت عن نظريات مؤامرة حول دور اليهود، بما في ذلك إلقاء اللوم على الاستخبارات الإسرائيلية في الوقوف وراء أحداث سبتمبر، ولم تتردد في اتهام الصهاينة بأنهم يبتزون الغرب باستخدام المحرقة.
ويذهب آخرون إلى القول ان مسؤوليات الحكم من شأنها أن تضفي طابع الاعتدال على القوى المشار إليها في العواصم العربية. وبالمقابل ينفي البعض ذلك باعتباره مرادفا للسذاجة السياسية، ويقولون إن هذا التنبؤ نفسه سبق أن طرح فيما يتعلق بحزب الله وحماس.
والواقع أن هذا كله من شأنه أن يعمق إحساس الإسرائيليين بالورطة التي يجدون أنفسهم فيها اليوم في الشرق الأوسط، حيث تعاني من شبح عزلة يمكن أن تفرض نفسها بالقوة على تل أبيب، وتؤثر في مسيرتها المستقبلية.
ومنذ تأسيس إسرائيل حاولت أن تختلق سياج العزلة العسكرية والدبلوماسية المفروض عليها من قبل جيرانها العرب، وفي غياب أي قبول لها من جانب العالم العربي، وجدت حلفاء لها على هامش الشرق الأوسط يتمثلون في إيران في ظل الشاه، وتركيا. وذهبت إلى القول ان إقرار السلام مع جيرانها المباشرين يمكن أن ينتظر.
ولكن هذا المبدأ بدأ في التداعي في عام 1979، عندما انهار التحالف الإسرائيلي ــ الإيراني. وفي العام نفسه وقعت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وقد أدى توقيع هذه المعاهدة إلى إخراج مصر من الجبهة المناوئة لإسرائيل، وترك العالم العربي دون خيار عسكري قابل للتصديق، وكانت آخر حرب تقليدية خاضها العرب ضد إسرائيل هي حرب اكتوبر عام 1973، التي شارك المصريون والسوريون في التصدي خلالها لإسرائيل.
ومنذ ذلك الحين فإن جميع صراعات إسرائيل العسكرية من حرب لبنان الأولى عام 1982، إلى حرب غزة في 2009، كانت جميعها مواجهات غير متوازنة عسكريا. وبينما طرحت هذه الصراعات مشكلات استراتيجية ودبلوماسية عديدة فإنها لم تعد تواجه تهديدا لوجودها من جانب العالم العربي.
وبالنسبة لإسرائيل إذا فإن السلام مع مصر لم يكن جوهريا على الصعيد الاستراتيجي فحسب، وإنما على المستوى النفسي كذلك، وقد أدرك الإسرائيليون أن نهاية صراعهم مع العالم العربي تعتمد، إلى حد كبير، على استمرارية السلام مع مصر، فهذا السلام على الرغم من كل ضوابطه وقيوده هو النموذج الناجح الوحيد لاتفاق الأرض مقابل السلام.
وعلى الرغم من ذلك، فإن تفاؤل إسرائيل أبقت عليه ذكرى الشراكة التي كانت غير محتملة بين الرئيس المصري السابق أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن.
وكان السادات قبل 4 سنوات من انطلاقه بالطائرة إلى تل أبيب في بعثة السلام التي بادر بها، هاجم إسرائيل في عيد يوم الغفران، الذي يحتفي به الإسرائيليون أكثر من أي يوم آخر، وقد انسحب بيغن، الذي كان يعد أكثر صقور إسرائيل تطرفا حتى ذلك الحين، من شبه جزيرة سيناء التي تبلغ مساحتها أكثر من 3 أمثال مساحة إسرائيل.
