فرضت القضايا الاقتصادية حضورها بقوة على زيارة الرئيس الصيني هوجنتاو لواشنطن. كان من المحتم أن يبرز الحديث عن إعادة التوازن، وهو المفهوم الذي يعني أن الأميركيين بحاجة إلى الاستهلاك بشكل أقل وأن الصينيين يحتاجون إلى استهلاك المزيد.
ويقدم هذا الموضوع تقليديا على أنه مسألة تتعلق بمستويات الاستثمار الصينية والمدخرات والاستهلاك في الصين بالإضافة إلى قيمة اليوان، ولكن المشكلة فيما يتعلق بالاستهلاك الصينيين أعمق بكثير مما يتصوره البعض، وهي حقيقة فرضت نفسها على النقاشات بين الجانبين الصيني والأميركي.
ولفهم طبيعة هذه المسألة يتعين النظر إلى المصارف التي تؤثر على جانب كبير من باقي اقتصاد البلدين، والصين تفتقر ابتداء إلى البنية التحتية للتمويل الاستهلاكي الحديث، وتفصلها سنوات وربما عقود عن بناء هذه البنية لتصل بها إلى المستويات الموجودة في العالم المتقدم. ووفقا لدراسة أجرتها مؤسسة مكنزي في عام 2009، فإن الائتمان الاستهلاكي في الصين يقف عند حوالي 13٪ من إجمالي الناتج المحلي مقارنة ب 48٪ في ماليزيا و70٪ في كوريا الجنوبية.
وتواجه البنوك الصينية عقبات هيكلية وتنظيمية كبيرة تعترض طريقها تدفعها إلى تقديم المزيد من منتجات التمويل الاستهلاكي، ومن هذه العقبات الافتقار إلى معدلات الائتمان الاستهلاكي الوطنية، التي من شأنها أن تمنح المصارف قدرا أكبر من الثقة في قدرتها على قياس مخاطر الائتمان. وهناك عقبة أخرى تتمثل في أن مديري القروض والمشرفين عليها لا يزالون يعملون انطلاقا من عقلية تتركز بشكل مكثف على إقراض أنشطة العمالة.
وفي غضون ذلك فإن بكين فقدت عقدا من الزمن، أو يزيد، كان يمكن لها خلاله أن تسمح للمصارف الأجنبية بالبدء في تطوير سوق للتمويل الاستهلاكي. وهكذا فإن المصارف الصينية واجهت ضغوطا تنافسية محدودة لخدمة المقترضين الاستهلاكيين من ذوي الدخول الأدنى، وبالتالي فإنها لم تنطلق في هذا الميدان. وفي شهر نوفمبر الماضي فحسب، سمح المنظمون الصينيون لشركة أجنبية بدخول هذا المجال الجديد، وستقوم مجموعة »بي بي إف» بتقديم تمويل لشراء السلع المعمرة. وهي نوعية خطط التقسيط التي ظهرت في أميركا قبل 160 سنت خلت.
والأمر الأكثر أهمية هو جانب العرض من معادلة الاستهلاك. فإعادة التوازن ليست مسألة متعلقة بخسارة مصانع التصدير الصينية للمستهلك الأجنبي، وكسبها للمستهلك المحلي حسبما يشير باتريك كوفانتش من جامعة سينغهوا. ومصانع التصدير هي جزء من سلسلة العرض العالمية التي يقوم فيها طرف آخر بتطوير المنتج والجوانب الإدارية والتسويق والبيع بالتجزئة. ومصانع التصدير الصينية ليست مجهزة للقيام بهذه الأمور اعتمادا على نفسها، وإعادة التوازن ستسبب لها خسارة العملاء الأجانب والخروج من نشاط العمالة، الأمر الذي من شأنه أن يسمح للمنظمين المتوجهين إلى الاستهلاك المحلي بشراء الأصول.
وتحتاج الصين لإعادة تخصيص رأس المال والعمل على نطاق هائل لتوجيه نفسها نحو إنتاج السلع والخدمات التي يرغب المستهلكون الصينيون في استهلاكها، وسوف يقتضي هذا تغييرات مصرفية كبيرة، وبصفة خاصة تحسين إمكانية الوصول إلى الائتمان بالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تتيح الانطلاق للاقتصاد الحديث الذي يدفعه الاستهلاك قدما، وسوف يقف في طريق انطلاق هذه المسيرة كل من القيود والعادات.
وتشمل القيود معدلات الفائدة، فالحكومة الصينية تدير كلا من الودائع ومعدلات الإقراض بطريقة تضمن للمصارف انتشارا كبيرا، وقد قصد من هذا مساعدة المصارف الصينية على الخروج بنفسها من أداء جيل سابق من المصارف كان يكسب معدلات محدودة من المدخرات. ويمكن لهذه السياسة أن تبرهن على ضرورتها بصفة خاصة إذا أسفرت وضعية الائتمان عن ركام هائل من الديون الرديئة. ولكن هذه السياسة تلحق الضرر بالمستهلك بتقليصها لمكاسب العائلات من مدخراتها، كما أنها تكبح جماح الإقراض المصرفي للمشاريع الصغيرة، وذلك بعدم تشجيعها للمصارف على المخاطرة. وبدلا من التعرض لمخاطرة أن هامش الأرباح المضمون للمصارف قد يتآكل بفعل القروض غير العملية المقدمة للمشاريع الصغيرة الناشئة، فإن المصارف يمكنها أن تحصد النتاج الكامل للانتشار بإقراض المشروعات الكبيرة المملوكة للدولة، والتي تضمنها الحكومة صراحة أو ضمنا.
ومن العادات المصرفية الصينية المرتبطة بهذا الموضوع الإصرار على الضمان العضوي للقروض الذي غالبا ما يأخذ شكل العقار، وهو شرط يعمل لصالح الشركات المملوكة للدولة التي تتمتع بأصول كبيرة، وكذلك شركات التصنيع القائمة بالتصدير. وأي نوع آخر من إقراض دوائر الأعمال يحفل بمزيد من التحديات، حيث أنه يتضمن تدريب كل مشرف على القروض ومديره على تقويم خطط ومقترحات الشركات الصغيرة للوصول إلى حكم على جدارتها بالإقراض. وبمقدور بكين حل هذه المشكلات على مهل إذا أراد القادة ذلك، ولكن الاحتمال الأكبر هو أنهم لا يريدون ذلك، والانحياز الحالي للمصارف الصينية إلى دعم التصدير ليس بالمصادفة وإنما هو يمثل اختيارا مقصودا من جانب بكين بالاحتفاظ بدرجة من السيطرة على هذا الاقتصاد عبر التخصيص السياسي لرأس المال.
كل هذا يشير إلى نتيجتين محددتين لما يجري في واشنطن، فالرئيس أوباما يتعين عليه أن يكون أكثر واقعية فيما يتعلق باحتمالات إعادة التوازن من جانب الصين في المستقبل، ومن الخطأ أن يعتمد على زيادة سريعة في الاستهلاك الصيني لملء الثغرة الاقتصادية العالمية التي أحدثها فشل سياساته في تنشيط الاقتصاد الأميركي.
