تتركز المشكلات التي تفرض نفسها على العالم، في غالب الأحوال، على الدولية والقضية والحدث، ونحن نشعر بالقلق حيال الفوضى السياسية التي تسبق انتخابات ما، أو تعقبها، أو تتعلق بانقلاب يقع في نظام ضعيف، أو صراع سياسي ينشب مع دولة سيئة. ولكن للمرة الأولى منذ إطلاق تقارير المخاطر فإن بيئة المخاطر السياسية هذا العام تعد أكثر عرضا في نطاقها، والتغير في النظام العالمي نفسه هو الذي يدعونا للقلق أكثر من أي شيء آخر.
بعد عامين من الأزمة الاقتصادية العالمية هناك مبرر قوي للتفاؤل، فالاقتصاد الأميركي يقف إزاء إمكانية تحقيق نمو معتدل على الأقل، والأسواق الناشئة لا تزال تنطلق قدما، وبمقتضى ذلك المنطق فإن الأوان قد آن لعودة الحكومات وقادة الصناعة والمصارف والمواطنين إلى العمل النشط مجددا.
لقد آن الأوان لوضع الأرقام القياسية لأسعار الذهب وراء الظهور وإعادة تريليونات الدولارات، المجمدة على الهامش، إلى العمل مجددا.
ولكن هذه الخلاصة تفرض مستوى من الثقة، إن لم يكن الارتياح حيال المسار الذي يمضي فيه العالم. وأيا كان الشكل الذي تتوقع أن يكون عليه الانتعاش الاقتصادي، فإننا ندخل عالما جديدا تماما، وهذا يعني طرقا جديدة في ارتباط الدول إحداها بالأخرى سياسيا واقتصاديا، وهو يعني مجالات جديدة للصراع. وعام 2011 يبدو أنه سيكون العام الذي يصبح فيه فهمنا لكيفية تحرك العالم شيئا ينتمي إلى الماضي.
هذا أمر مخيف، ليس لأنه يستعصي على الفهم، وإنما لأن مستوى التغيير كبير للغاية بحيث يصبح من الصعب إدارته. ولم يعرف إلا عدد قليل منا تحولا على هذا النطاق. وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق قبل عقدين من الزمان، راج لوقت قصير توقع أن يكون ذلك مقدمة لنظام عالمي جديد، غير أن ذلك سابقا لأوانه فانهيار الاتحاد السوفييتي أعاد صياغة توازن الأمن العالمي، ولكن تأثيره الاقتصادي كان أكثر تواضعا على نحو ملموس، فقد حكمت الاقتصادات الصناعية المتقدمة النظام الاقتصادي العالمي، وكان معنى نهاية الحرب الباردة الانتقال من القوى السبع العظمى إلى «القوى السبع العظمى+ 1»، وانطلقت العولمة مسرعة قليلا، ووجد الغرب دولا جديدة يستثمر فيها على الأقل لبعض الوقت، وأصبحت دول قديمة منها، كألمانيا، أكثر قوة وصيغة (+1) لم تعن ضمنا نظاما عالميا جديدا.
هذا ليس صحيحا اليوم، فبعد الأزمة الاقتصادية حلت مجموعة العشرين محل مجموعة السبع، وهذا التغير لم يجلب معه تحديا للتفوق العسكري الأميركي العالمي، ولكن القواعد التي تحكم الطريق الاقتصادي مختلفة، والنظام الجيوسياسي الجديد لا يشكله التوازن العسكري وإنما يشكله توازن اقتصادي، وهذا النظام العالمي الجديد يشكل نهاية للاتفاق، الذي دام عقودا عدة، على الكيفية التي يعمل بها الاقتصاد العالمي. وهذا عالم متغير حقا لأن التيار الاقتصادي السائد طوال نصف القرن الماضي، وهو تيار العولمة، يواجه الآن تحديا مباشرا من الجيوسياسة.
وسيكون لبروز هذا النظام العالمي الجديد تأثير عميق على الصورة الشاملة للعالم بأسره، وعلى التيارات بعيدة المدى، وسيصبح الافتقار إلى الحوكمة المنسقة فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية الرئيسة راسخا، وسيتيح المجال لصراع دولي دائم، وستصبح الدول والشركات الكبرى أكثر ارتباطا بالدول المتقدمة والنامية معا، والأمر الأكثر أهمية هو أننا سنرى تغيرا في المستويات العليا للصراع العالمي، إلى النطاق الذي تتصادم فيه العولمة والجيوسياسة بأكبر قدر من القوة. وعلى امتداد العقدين الماضيين كانت أكثر التوترات الجيوسياسية حدة موجودة في الشرق الأوسط، ولسوف نرى انتقالا حاسما وطويل الأمد لهذه التوترات إلى آسيا.
ويحفل عام 2011 بالعديد من المخاطر، وفي مقدمتها الصراع الناجم عن عملية توارث السلطة في كوريا الشمالية، وعدم استعداد الصين للتراجع في مواجهة الضغوط الدولية، والافتقار إلى التنسيق السياسي والاقتصادي في أوروبا.، وتكثيف ضوابط العملات للخلاقات الاقتصادية العالمية. كل هذه المخاطر يفاقمها هذا الانتقال إلى نظام عالمي جديد.
ومن المدهش، وعلى الرغم من القلق الذي تثيره كل هذه التغيرات، فإن المرحلة الجديدة ليس لها اسم محدد تحمله، ونحن نقترح كاسم لها «مجموعة الدول صفر»، وهذه هي العدسة التي من خلالها سنتفهم الأحداث العالمية في السنوات المقبلة، وهي المخاطرة الأكثر أهمية في عام 2011.
في «مجموعة الدول صفر» فإن الدول الكبرى ستنحي جانبا التطلعات لقيادة العالم منفردة، أو بالتنسيق فيما بينها، أو بأي طريقة أخرى، وتنظر في المقام الأول إلى الداخل بحثا عن أولوياتها السياسية، وستصبح المؤسسات الرئيسة، التي تقدم الحوكمة العالمية، ساحات ليس للتعاون، وإنما لمواجهة. وكنتيجة لذلك سيتدنى النمو الاقتصادي العالمي والكفاءة.
هذه ظاهرة جديدة في العالم ما بعد الصناعي، وعلى امتداد فترة قصيرة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، فإن حوكمة الاقتصاد العالمي ستبدو كما لو كانت قد سلمت إلى مجموعة العشرين، وهي مجموعة أكثر ارتباكا على نحو حاسم من مجموعة الدول السبع، حيث ان لديها أجندة أوسع نطاقا ونطاقا أضيق للاتفاق، ومع ذلك فإن أعضاءها يتقاسمون، من حيث المبدأ على الأقل، اهتماما بتحقيق استقرار النظام الدولي، وأيا كان مدى اختلاف المصالح القومية لأعضاء هذه المجموعة، فإن قادتها يشتركون في استعدادهم للعمل بشكل منسق إلى أن يتحقق استقرار الاقتصاد العالمي. وقد كان هذا هو نموذج (نهضة الباقين)، وهو عالم ما بعد أميركي بالتأكيد، ولكنه عالم تواصل الولايات المتحدة القيام بدور إرشادي فيه.
برهن تعاون مجموعة العشرين على أنه رد فعل جماعي قصير الأمد على الذعر في مواجهة كارثة وشيكة، وكان أول مؤشر إلى أن هذه المجموعة لن تدوم طويلا قد جاء في كوبنهاغن قبل عام مضى، في أعقاب قمة المناخ، التي اتسمت بفرقة حادة، بحيث ان النتيجة كانت أسوأ من عدم عقد القمة أصلا. وبرهن المناخ على أنه يشكل أولوية متواضعة، بما فيه الكفاية وسط انتعاش اقتصادي تبذل فيه جهود شاقة، بحيث ان هذه الاحتكاكات سرعان ما نسيت. ولكن الأمر كان أقل من ذلك في حالة اجتماع صندوق النقد الدولي في الخريف الماضي في واشنطن، واجتماع قادة مجموعة العشرين في سيئول الذي انتهى من تحذيرات من حرب عملات ونذر بحرب الأسعار التي سادت في ثلاثينات القرن الماضي وخلال القمتين وضعت الاستراتيجيات الاقتصادية للاقتصاديات العالمية القيادية في تعارض إحداها مع الأخرى.
في عام 2011، ومع تباين مصالح الدول النامية والمتقدمة ومع انقسام المشرعين الأميركيين والأوروبيين واليابانيين حيال المزايا النسبية للتنشيط والتقشف، فإن المنتديات العالمية الأكبر ستشهد تداعيا في النظام، وهذا ليس افتقارا للتنسيق والتقدم حيث أنها ستصبح ساحات للمواقف السياسية في أفضل الأحوال وللصراعات في أسوأ الأحوال. وخلال هذه الاجتماعات ستمسك الأسواق أنفاسها آملة أن تنقضي هذه الاجتماعات دون حادث يذكر.
لا يبدو في الأفق تحالف عالمي جديد. لماذا نتوقع مجموعة الدول صفر وليس تكوينا لكتلة تجمع فيها الدول نفوذها؟ لأن سياسة عدم التوصل إلى استجابة للتداعي في الحوكمة الاقتصادية العالمية قوامها وقوف كل دولة مع نفسها فقط. وعلى نحو ما ظهر حتى بالنسبة لأوروبا المدمجة سياسيا فإنه دون قواعد مشتركة لا يوجد شيء يسمى بالأمن الاقتصادي الجماعي. وفي إطار مجموعة الدول صفر، فإن المكونات المحلية ستصبح مؤثرة بدرجة متزايدة في دفع الأجندات الشعبوية فيما يتعلق بالتجارة والعملة والسياسة المالية.
ومع تزايد الصراع الاقتصادي والصراع السياسي المرتبط به بمرور الوقت، فإن قدرا أكبر من التنسيق سوف يحدث كاستجابة ضرورية أولا على المستوى دون الإقليمي، ثم على المستوى الإقليمي، وحتى في ذروة «مجموعة الدول صفر» فإنه لن يكون بالإمكان الحصول على كل شيء مطروح على الساحة العالمية. فهناك قدرة محدودة على بناء نظام حظر الانتشار النووي في عالم «مجموعة الدول صفر». ولكن الأمر ليس قوامه أن مجموعة الدول السبع كانت أكثر كفاءة في هذا المجال، فبغض النظر عن وجود الأزمة الاقتصادية من عدمه، فإن دولا مثل كوريا الشمالية تواصل السير بأجندتها الدولية.
وقد واجهت الولايات المتحدة وقتا صعبا في حشد التأييد لحملاتها السياسية في العراق وأفغانستان قبل وقت طويل من احتلال مجموعة العشربن لقلب الساحة العالمية.
ولكن هذا يعد عزاء محدودا بالنسبة لعام 2011 فمع اتخاذ الجيوسياسة لظلال جيواقتصادية، بصورة متزايدة، فإن كل تعهدات مجموعة العشرين بتجنب أخطاء الماضي لن تمنع مجموعة الدول صفر من السيطرة، وتفجير أشكال أخرى من الصراع.
