يعتٍّبر العام ‬2011، بالنسبة لـ ‬100 ألف جندي أميركي و‬40 ألف جندي من حلف «ناتو» وقائدهم الجنرال ديفيد بترايوس، عام الصعود الأول في أفغانستان. وبالنسبة للكثير من الأفغان، فهو يعتبر عام الاحتلال الأميركي العاشر لبلادهم، ولكن لكي نكون أكثر لطفا، فإنه العام العاشر للحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد جماعة طالبان وتنظيم القاعدة.

يدعي العسكريون الأميركيون أن الحرب وضعت في نهاية المطاف في مسارها الصحيح، مع توفر عدد كاف من الجنود والمعدات العسكرية لضرب مسلحي طالبان في معاقلهم وقواعدهم في الجنوب، وأنهم باشروا هجومهم في الآونة الأخيرة. وبالنسبة للدبلوماسيين الأوروبيين هناك مبالغات كبيرة في هذا الشأن، فمراجعة السياسة الإستراتيجية السنوية التي أطلقها الرئيس الأميركي بارك أوباما في ‬16 ديسمبر الماضي تبدي حذرا كبيرا، وتلاحظ أن المكاسب الأخيرة التي تم تحقيقها في الجنوب تظل «متقلبة».

 ويوضح التقرير الرئاسي أن الإستراتيجية هي التي ستهيئ الظروف الخاصة بانسحاب أعداد صغيرة من القوات الأميركية في يوليو ‬2011، لكنها لا تحدد عدد الجنود الأميركيين الذين سيقفلون عائدين إلى بلادهم من بين مئة ألف جندي متمركزين في أفغانستان. وقد علق دبلوماسي غربي على هذه المشكلة قائلا: « هل سنقوم بإنشاء حكومة أفغانية مستديمة وقابلة للبقاء في أفغانستان، وهل سنحقق الحقوق السياسية هناك؟ وهل سيكون هناك جيش أفغاني وقوات خدمات مدنية قادرة على تولي زمام الحكم لدى انسحابنا ؟»

 

جدران واقية

وفي كابول تنفس الأجانب الصعداء قليلا بعد مرور أشهر عدة دون هجمات انتحارية. ويقول سكان كابول إن الجدران الواقية من التفجيرات، والحواجز الإسمنتية الممتدة على الطرقات أصبح ارتفاعها الآن ‬20 قدما، وهي تخنقهم وتلتهم طرقاتهم وأراضيهم وأماكن معيشتهم.

وعادة ما تكون الحرب مزيجا من القصص والروايات المتضاربة والمتباينة، اعتمادا على ما إذا كنت جاثما في خندق، أم ترتشف الشاي في القصر الرئاسي.

ومسألة تناول الطعام مع بترايوس وارتشاف الشاي مع الرئيس الأفغاني حامد قرضاي يعتبر الحبكة الرئيسية من القصة. تماما كالصحفي الذي يتجول في ضواحي المدينة ويدخل البيوت الصغيرة غير المضاءة بالكهرباء، والمفتقرة إلى التدفئة، للتحدث إلى أحد المسؤولين السابقين من حركة طالبان، الذين يرغبون بتفسير الكيفية التي يمكن للحركة عقد سلام مع الأميركيين.

ويبدو العالم مهووسا بالصورة المضخمة للحرب الأفغانية، وليس بالتفاصيل المحلية التي تجعل من الصعب إنهاءها. وتعتبر قمة «ناتو»، التي عقدت في لشبونة في نوفمبر الماضي، مثالا واضحا على ذلك. فقد حاولت تلك القمة إعطاء صورة واضحة عن عملية انسحاب القوات الغربية من أفغانستان، لكنها أثارت أيضا تشوشا كبيرا. وقال قادة الناتو موجهين كلامهم إلى الحلف وليس إلى الولايات المتحدة، إنهم وضعوا خططا للنقل المرحلي للمسؤولية الأمنية إلى القوات الأفغانية، وانتهاء الدور القتالي لحلف «ناتو» في أفغانستان بحلول عام ‬2014. وهذه القوات ملتزمة بالبقاء هناك في دور داعم، في حين حذرت الولايات المتحدة أن قواتها ستواصل القتال بعد هذا التاريخ إذا تدهور الوضع الأمني. ومن الواضح أن الجانبين على طرفي نقيض بالنسبة للجدول الخاص بالانسحاب.

 

إرباك للأفغان

ولإضفاء مزيد من الإرباك على الأفغان أضاف الرئيس أوباما قائلا إن بعض القوات الأميركية ستبدأ بالانسحاب من أفغانستان في يوليو المقبل. وقد أعلن ذلك الموعد في يناير ‬2010، في الوقت الذي بدأت فيه حملة المد الكبيرة هناك. وقد ثبت أن هذا الموعد يثير إرباكا شديدا في البيت الأبيض، حيث تحدى الجمهوريون صحته، وأثار خيبة أمل الأفغان، كما أثار ريبة كبيرة لدى القوى الإقليمية المحيطة بأفغانستان، كباكستان وإيران.

وبدت كلمات أوباما الأخير في لشبونة غامضة بصورة غير طبيعية. ومن الواضح أنه كان يتحدث عن قرار «ناتو» بالانسحاب من أفغانستان بحلول عام ‬2014. وقال في هذا الصدد: « إن هدفي هو التأكيد على أننا لم نعد منهمكين بالعمليات القتالية من النوع الذي نقوم به الآن، ولكن من الصعب أن نعرف ما هي المهام التي ستكون ضرورية، ونحن أكثر اتحادا ووضوحا بشأن الكيفية التي سنحقق فيها هدفنا النهائي في أفغانستان».

لم تنجح أي من المحاولات الخاصة بإعادة بناء أفغانستان في غضون السنوات التسع الماضية، فما هي التأكيدات في أنها ستنجح بحلول العام ‬2014؟ فالتواريخ والنقاشات في البيت الأبيض تسرد نصف القصة، فأفغانستان تمر عبر سلسلة من الأزمات الداخلية، ستقرر ما إذا كانت الدولة الأفغانية ستكون فاعلة بحلول ذلك العام أم لا.

 

جدل كبير

وكان الأمر العاجل الآن هو الانتخابات البرلمانية التي جرت في ‬18 سبتمبر الماضي، غير أنه جرى تأخير النتائج النهائية حتى نهاية نوفمبر. وعقب الانتخابات الرئاسية الصعبة في عام ‬2009، التي فاز فيها قرضاي، بعد جدل كبير، ووسط إحراج عالمي واسع، تبدي الأمم المتحدة و«ناتو» الآن ترددا كبيرا في إجراء مزيد من الانتخابات في وقت قريب. غير أن قرضاي يصر على ذلك، على أمل أن يمهد فوز مرشحيه المفضلين بأغلبية المقاعد، التي يبلغ عددها ‬249 مقعدا في مجلس النواب، الطريق للمصادقة على مضيه قدما في محادثات السلام مع طالبان.

ومجددا حدثت عملية تزييف على نطاق واسع في الانتخابات، باستثناء أنها حدثت على يد مرشحين فرديين، وليس على يد الحكومة. واختار قرضاي لجنة انتخابات مستقلة، أشرفت على عملية الاقتراع، وقد أذهلت الجميع من خلال عملها بصورة مستقلة وملحوظة. وأبطلت ‬1,33 مليون صوت انتخابي بسبب تزييفها، أي نحو ربع عدد الناخبين المسجلين، والبالغ عددهم ‬5,74 ملايين ناخب. وفي منتصف نوفمبر قامت اللجنة بتنحية ‬24 مرشحا أعلنوا كفائزين غير رسميين، من ضمنهم إبن عم للرئيس قرضاي. وقد أكدت اللجنة وجودها لكنها تركت وراءها مشكلات لا حصر لها.

كان الإقبال على الاقتراع من جانب قبائل البشتون الذين يقطنون المناطق الشرقية والجنوبية من أفغانستان منخفضا جدا. وقد هددت طالبان، وهي من البشتون أيضا، هذه القبائل، وطلبت منهم أن يقاطعوا الانتخابات. وكنتيجة لذلك خسروا ما يتراوح بين ‬10٪ و‬20٪ من مقاعدهم لصالح الأقليات العرقية، خاصة الطاجيك والهزارة. وفي البرلمان الأخير حصل البشتون على ‬129 مقعدا، والآن انخفض العدد إلى ‬90 مقعدا.

 

دراما الانتخابات

وتتوالى دراما الانتخابات فصولا، فالقبائل من غير البشتون تعارض أي اتفاق سلام مع طالبان، وهي مستاءة من هيمنة البشتون، وتريد إصلاح الدستور لإدخال نظام برلماني عوضا عن النظام الرئاسي الحالي، الذي يمنح قرضاي سلطات كبيرة.

وقد جلبت الانتخابات الأخيرة إلى الواجهة الأمامية مشكلات عرقية مستعصية على الحل. فبعد سنوات من الحرب الأفغانية المستعرة يبدو الانقسام بين البشتون والقوميات الأخرى، التي تشكل النسيج المعقد للبساط القومي الأفغاني، أسوأ من أي وقت مضى. فالفساد المستشري وعجز إدارة قرضاي لا يزالان يعتبران بأنهما يصبان في صالح البشتون. وركزت جهود التنمية الأميركية بشكل كبير على التودد للبشتون في جنوب وشرق أفغانستان، حيث تتمركز مقاومة طالبان، وتجاهل الأقليات في الشمال والغرب. وتبدي القبائل الأخرى من غير البشتون غضبها الشديد، بحيث أن ‬70٪ من صناديق التنمية الكلية يتم إنفاقها على مقاطعتين في الجنوب فقط، بهدف تحريض البشتون على طالبان.

في غضون ذلك حققت الأقليات من الطاجيك والأوزبك والهزارة والتركمان مزايا كبيرة سببت استياء واسعا في أوساط البشتون. فللمرة الأولى هيمنوا على فئة الضباط الكبار في الجيش والشرطة الأفغانية، على الرغم من أن مبادئ التدريب والتجنيد الأميركية تشمل مساواة حازمة بين كل المجموعات العرقية. وتقليديا فإن فئة الضباط الأفغان هم من البشتون، لكن تمثيلهم في الجيش أقل من نسبتهم السكانية، وهناك أقل من ‬3٪ من المجندين من الجنوب الملتهب في أفغانستان. وشقت الأقليات، التي تهيمن على الشمال والغرب، الطرق ومدت الشبكات التجارية، وأوصلت خطوط الكهرباء وموارد الغاز إلى المنطقة، كما أقامت علاقات مفيدة مع الدول المجاورة لها، مثل إيران، دول آسيا الوسطى، طاجيكستان، أوزبكستان، وتركمانستان. وأثرت تجارة المخدرات النخب المحلية. وكل هذا حسن معيشة السكان العاديين، ووفر مصادر مستقلة للثروة لأمراء الحرب والطبقة الراقية.