من الأمور المثيرة للحيرة في بريطانيا المدى الذي يتعين فيه السماح بحدوث انقسام في الرأي بين أعضاء الائتلاف الحكومي البريطاني فيما يتعلق بتصرفات وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان.

وفي إسرائيل وعلى النقيض من بريطانيا ، حيث الائتلاف يكون دائما هو المعيار، فإن التحكم في تصرف بعض الأعضاء لا يعتبر مسألة بالغة الأهمية. فالخلاف في وجهات النظر يبدو ظاهرا للعيان هناك، ويتواصل حتى مع حل القضايا العالقة التي يثار الخلاف بشأنها. ولكن مع وجود هذه المعايير المتراخية نسبيا، فإن ليبرمان وصل في تصرفاته، بوقاحة شديدة، إلى مدى لم يبلغه سوى القليل من الوزراء الإسرائيليين في السابق، إن لم يكن الوحيد الذي وصل إلى ذلك المدى.

وفي نهاية المطاف، يفترض أن يكون وزير الخارجية الإسرائيلي المتحدث الرئيسي باسم الحكومة في الخارج، وأن يحمل على عاتقه مسؤوليات خاصة للتعبير عن سياسة الحكومة الإسرائيلية. غير أنه في سبتمبر الماضي، وفي اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ألقى خطابا عارض فيه تماما موقف رئيس وزرائه بنيامين نتانياهو ، أو الموقف العام له، والذي ينص على أنه يمكن الوصول إلى اتفاقية سلام مع الفلسطينيين في غضون عام واحد. وقال ليبرمان إنه حتى الإتفاق المرحلي يستغرق الوصول إليه عقودا من الزمن، ومضى يشرح موقفه الشخصي، الذي يبدو مريرا جدا بالنسبة للكثيرين، فيما يتعلق بالنقل الجماعي لفلسطينيي عام ‬1948، وضم المناطق التي تقطنها أغلبيتهم إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية، في مقابل ضم إسرائيل للمستوطنات في الأراضي المحتلة.

وفي الآونة الأخيرة، كرر الأقوال نفسها، وفيما كانت الجهود تصب في مصالح إسرائيل الإستراتيجية، تماما، لتحسين العلاقات مع تركيا التي تعرضت للتوتر التام عقب الغارة الإسرائيلية القاتلة على السفينة التركية مرمرة التابعة لأسطول الحرية، خلال محاولة كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، اختار ليبرمان ذلك الوقت للتنديد بالزعامة التركية بسبب ما وصفه أكاذيبها الكبيرة، وواصل إعادة التأكيد على معارضته للتوصل إلى اتفاق سلام مع الزعامة الفلسطينية الشرعية في رام الله. وعلاوة على ذلك أبدى وزير الخارجية الإسرائيلي سخريته من الملاحظة الشهيرة التي أبداها الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون لتعليل إبقاء إدجار هوفر في مكتب التحقيقات الفدرالي. ويجب أن يعلم ليبرمان أن الذي بيته من زجاج لا يجب أن يرمي بيوت الناس بالحجارة.

ويفهم الإسرائيليون، على نطاق واسع، رفض نتانياهو إقالة وزير خارجيته على أنه إشارة على ضعف متنام يعاني منه. وقد أصبح الأمر لا يحتمل نتيجة لافتقار رئيس الحكومة الإسرائيلية لبرنامج عمل بديل يمكن الاستناد إليه خصوصا فيما يتعلق بالفلسطينيين. وليس من السهل إقالة وزير يتمتع بسلطة قوية كليبرمان، بسبب تهكمه على عملية السلام، هذا إذا كان هناك عملية سلام يمكن التحدث عنها. وكان ‬2010 العام الذي حاول فيه حتى أكثر المراقبين تشككا إيقاف شكوكه، فهل سيشعر نتانياهو بوطأة وزيره المتشدد تثقل كاهليه. وفي الزمن القديم أدرك الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون صحة وجهة نظر الصين الشيوعية القائلة ان اليمين فقط قادر على صنع سلام دائم، وحتما لا يرغب نتانياهو أن تؤول فترته الرئاسية الثانية للحكومة إلى الفشل، كما حدث في رئاسته الأولى، وهكذا دواليك. وفي مطلع العام الجاري أصبح من الصعب التعبير عن هذه المشاعر لوزير الخارجية الإسرائيلي بدرجة من المصداقية. ولا يمكن للأميركيين التملص من مسؤولية أنهم بددوا ‬18 شهرا من دبلوماسية التنقل بين العواصم المختلفة في جهودهم لإقناع نتانياهو بمواصلة تجميد الاستيطان في الأراضي المحتلة، حيث يرفض الفلسطينيون التفاوض بدون تحقيق ذلك. والأنكى من ذلك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، ألقى اللوم في مقابلة تلفزيونية أجريت أخيرا، على الفلسطينيين لكونهم غير راغبين بالسلام على حد قوله، واقترح بدلا من ذلك تركيزهم على النمو الاقتصادي.

ترجمة: عمر حرزالله