وصل العام الثاني للرئيس الأميركي باراك أوباما في منصبه إلى نهايته، فنشبت معركة مريرة لا تزال جارية بين الديمقراطيين حول ما إذا كان قد تخلى عن وعوده وباع مبادئه، أم أنه وصل إلى الحلول الوسط المطلوبة من القادة الأذكياء لمواصلة مسيرته فحسب. ولا يتردد بعض مؤيدي أوباما الأصليين، الذين تساورهم مشاعر الضيق والدهشة، في انتقاده بشدة باعتباره سياسيا ضعيفا ومتهافتا، بينما يصر آخرون على أن تكتيكاته قد سمحت له بأن يحقق كل ما يستطيع الوصول إليه في البيئة الحزبية الأميركية اليوم.

وتحتدم العواطف والانفعالات. هل كان ينبغي عليه التمسك بلا حدود بالخيار الجماهيري فيما يتعلق بالصراع حول إصلاح التأمين الصحي، أم أنه كان محقا في الوصول إلى حل وسط على أمل تمرير قانون يدعمه الحزبان الرئيسيان ؟ وفي ضوء وعده في حملته الانتخابية بإغلاق معتقل غوانتانامو سيئ الصيت في غضون عام واحد، كيف استطاع أن يسمح للكونغرس بأن يحبطه بمثل هذه السهولة؟ وفي فترة جمود الكونغرس الأخيرة هل كان ينبغي عليه أن يترك تخفيضات مرحلة بوش الضريبية للأغنياء تنقضي تماما، أم كان عليه السماح بتمديدها لمن يكسبون أكثر من ‬250 ألف دولار سنويا؟

تعد هذه المعركة في جوهرها من أقدم المعارك في تاريخ الحياة السياسية، فالتوترات الناشبة بين المعتدلين والمتطرفين، بين البراغماتيين والملتزمين، بين المنادين باتباع المنهج التدريجي وأولئك الذين لا يبدون استعدادا للانتظار قبل أن يتحقق التغيير - هذه التوترات هي جزء لا يتجزأ من العملية الديمقراطية إلى أثينا وروما الكلاسيكيتين، ومسألة ما أذا كان ينبغي على السياسي أن يقف بحزم مدافعا عما يؤمن به أو يبرم من صفقات لكي يحقق مكاسب جزئية، هي مسألة أخلاقية وتكتيكية من غير المحتمل أن يتفق عليها الجميع.

وقد كانت تلك ورطة مألوفة بالنسبة للرئيس الأميركي الأسبق إبراهام لينكولن الذي كان سياسيا واعدا يتبنى موقفا معتدلا ضد العبودية، لكنه لا يصل إلى الموقف الذي يتبناه الجمهوريون المتطرفون ودعاة إلغاء العبودية، الذين أرادوا أن يأخذ بوجهة نظرهم. وقد كان لينكولن يعرف أن العبودية خطأ، ولكن كانت لديه أهداف أخرى منافسة لم يكن على استعداد للتضحية بها.وقد كان مصمما على الفوز بالانتخابات والعمل في إطار الدستور والأكثر أهمية من ذلك ألا تدفعه الولايات الجنوبية بعيدا ويهدد استقرار الاتحاد. وكنتيجة لذلك تبنى سلسلة من المواقف التي تشكل حلولا وسطا.

وهناك وضع أكثر حداثة مشابه لورطة أوباما، ففي بريطانيا هناك الحزب الديمقراطي الليبرالي، وهو تجمع ينتمي إلى يسار الوسط تحالف في العام الماضي مع حزب المحافظين لتشكيل حكومة ائتلافية- هذا الحزب يرى الآن تأييده الجماهيري وقد تدهور فجأة. ووفقا لمقال كتبه هنري تشو في العدد الأخير من صحيفة صنداي تايمز فإن الديمقراطيين الليبراليين يواجهون مشكلة مشابهة لمشكلة أوباما، فالانضمام إلى الائتلاف اقتضى منهم التخلي عن جانب من أنقى المواقف التي تبنوها كحزب معارض، وقد انتقلوا منها إلى إجراءات عملية وحلول وسط سياسية. وكنتيجة لذلك فقد كان لهم نصيب يعتد به في إدارة بريطانيا، ولكنهم استندوا إلى رأس مال قوامه مواقف تبنوها طويلا.وفي غمار تحركهم هذا أغضبوا القاعدة التي يستندون إليها.وبين أمور أخرى فقد وقعوا على خطة شاملة لخفض الإنفاق، وتقليص الخدمات الاجتماعية ووافقوا على زيادة رسوم التعليم في الجامعات، فهل الأمر يستحق ما قاموا به؟ يوضح إيان كامبيون سميث، وهو من الديمقراطيين الليبراليين في شمال بريستول:« السياسة هي فن ممكن وإجمالا فإن الناس يفضلون أن يكون لنا بعض النفوذ على الحكومة على ألا يكون لنا نفوذ عليها إطلاقا».

يتعين على كل القادة السياسيين الاختيار بين المبدأ وبين البراغماتية عند منعطف على الطريق في مسيرتهم، ويعتمد ما يقررونه على شخصيتهم ومزاجهم النفسي، وأوباما على الرغم من الخطاب الذي تبناه أثناء حملته الانتخابية فإنه بدا للجمهور رجلا يفضل العمل داخل النظام، وبعد أن أغضبت صفقته المتعلقة بالخفض الضريبي الكثيرين من مؤيديه المنتمين إلى اليسار، بادر إلى انتقاد أولئك الذين يفضلون الرضا عن تبني موقف يسعون إليه، وعدم إحراز انتصارات للشعب الأميركي، وأضاف قائلا: «لقد قامت هذه البلاد على أساس حلول وسط».

غير أن السياسيين، قبل الإقدام على تنازلات يعتد بها، يتعين أن يسألوا أنفسهم أسئلة عديدة: «هل يتخلون عن مبادئ جوهرية أم عن مصالح قصيرة الأمد؟: هل يقومون بتقديم تنازلات من أجل أسباب مشرفة أو لأسباب تتعلق بخدمة الذات؟ هل يشكل الحل الوسط مهما كان معيبا تحسنا بالنسبة للوضع القائم؟ هل ينقل البلاد إلى الأمام مهما كان ذلك بطيئا ومفتقرا للكمال؟

لقد قام أوباما ببعض الخيارات الجيدة وأيضا قام ببعض الخيارات السيئة، وقد أشاد به الكثيرون لحلوله الوسط البراغماتية فيما يتعلق بالرعــاية الصحــية، وذهبوا إلى القول انه حتى بعد كل تنازلاته فإن هــذا القانون يظل جديرا بالقتال من أجله. وقد أيد الكثيرون بتردد صفقة التخفيضات الضريبية التي أبرمها أيضا على الرغم من أنهم كانوا في السابق قد عارضوا التمديد الزمني للخفض الضريبي بالنسبة للأثرياء ـ ولكن باراك أوباما تعرض للانتقاد لعدم إبدائه كثيرا من الحماس في جهوده لإغلاق معتقل غوانتانامو.

وكما سبق أن أشــار الاقتصــادي روبرت كــتنر فإن حــركات العــدالة الاجتماعية العظمى في أميركا، بما في ذلك حركة إلغاء العبودية، وكذلك حركة الحقوق المدنية وحركة منح النساء حقوقهن الانتخابية، تصدى لقيادتها كلها المتطرفون قبل أن يمضي بها المعتدلون ويقوموا بتغييرها. وربما لم تكــن تلك أســرع طريقــة لجعــل العالم مكانا أفضل، ولكنها الطريقة التي تحدث تأثيرها.