كل من قدر له الرحيل إلى شمال السودان، الذي يغلب عليه الطابع الصحراوي وتقع فيه العاصمة الخرطوم، وجنوب السودان الذي تغمره الفيضانات، لا يمكنه إلا أن يلاحظ الاختلافات الكبيرة بينهما. فالشمال له حدود مشتركة مع دولتين عربيتين هما مصر وليبيا، أما الجنوب فيفضي إلى كينيا وأوغندا والكونغو. وأبناء الشمال هم في الغالب من المسلمين العرب، وأبناء الجنوب يبدو بوضوح أنهم من أصول إفريقية ويشيع بينهم الانتماء إلى أديان أخرى غير الإسلام.

هذان الإقليمان، اللذان تتعدد بينهما الفوارق، صيغا في إطار بلد واحد بفعل الممارسة الإمبريالية السافرة ذاتها التي شوهت جانبا كبيرا من العالم. فقد قرر البريطانيون أن الأمر ينبغي أن يكون كذلك، وأوجدوا بلدا تبلغ مساحته مليون ميل مربع تعددت تناقضاته اللغوية والثقافية والعرقية والتاريخية، قبل وقت طويل من استقلاله في عام ‬1956. ومع دنو موعد الاستقلال كان الشمال يهيمن على البنوك، ويفرض اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية. وفي نهاية المطاف يفرض السيطرة السياسية من جانب حكومة الخرطوم. ومن منظور العديد من المراقبين فإن الأمر بدا أقرب إلى أن يكون زواجا تغمره التعاسة منذ البداية، وكانت النتيجة نصف قرن من العنف والغارات عبر الحدود وعمليات الاختطاف، وأخيرا الحرب. وقبل أن تنتهي الحرب بين الجانبين بالتوصل إلى اتفاقية سلام في عام ‬2005 كانت قد أصبحت أطول حرب أهلية في إفريقيا، وخلفت وراءها ‬2,5 مليون قتيل.

الآن إذا كنت تصدق من يميلون إلى التفاؤل، فإن هذه الأخطاء التي تعود إلى الماضي ربما تكون في طريقها إلى التصحيح في نهــاية المطاف، فوفقا لاتفاقية السلام لعام ‬2005، حصل أبناء الجنوب على شبه حكــم ذاتي وسيتوجهون في التاســع من ينــاير للاقتراع على ما إذا كانوا سينفصلون كلية عن الشمال ويشكلون بلدا منفصلا خاصا بهم. وقد وافقت حكومة الخرطوم على القبول بنتائج الاقتراع. وهناك حوالي ‬10 ملايين نسمة في الجنوب ومن المتوقع أن تقــترع الغالبية الكاســحة منهم بالموافقة على الانفصال عن الشمال. وإذا ما حدث ذلك فإن أول دولــة جــديدة ترى النور في إفريقيا منذ عشرين عاما، والتي قــد تسمــى جمهورية جنوب السودان، سيكون قد تم تكريسها.

ولكن هل سيكون الأمر بهذه السهولة حقا؟ إننا نأمل ذلك، ولكن المشكلات التي تنتظر الدولة الجديدة لا تفتقر إلى التعدد فهنالك مسألة ما إذا كان الشمال سيسمح بالمضي قدما بالاستفتاء أصلا، حيث كان هناك بين قيادات الخرطوم من عقد العزم على الوقوف ضد الاستفتاء، لكنه وافق عليه مرغما في مواجهة الضغوط. وعلى امتداد شهور عدة توقع المراقبون أن يقوم الشمال بتقويض الاقتراع عن طريق تأجيله، أو استخدام الميليشيات أو الجماعات المنشقة الزائفة لإثارة الاضطرابات، وتخريب شرعية الاستفتاء. وحتى الآن لم يقع ذلك ومن المتوقع على نطاق واسع أن يتم المضي قدما بإجراء الاستفتاء. وحتى إذا تم المضي قدما به، فإن احتمال التوصل إلى جنوب للسودان يتمتع بالديمقراطية والسعادة والازدهار ليس احتمالا كبيرا، فوفقا لإحصائيات الأمم المتحدة التي نشرت قبل الاستطلاع، لا يستطيع ‬85 ٪ من أبناء جنوب السودان القراءة والكتابة، وهناك مدرس واحد لكل ألف من تلاميذ المدارس الابتدائية. وجنوب السودان به إحدى أعلى النسب في معدل وفيات الأطفال في العالم، ويعيش أكثر من ‬4 ملايين على المساعدات الطارئة، الأمر الذي يعني أنهم بحاجة ماسة إلى تلقي الإمدادات الغذائية، وسيواجه ‬1,5 مليون نسمة افتقارا شديدا إلى الأمن الغذائي حسب تقديرات الأمم المتحدة.

وتتعدد الجهود الدولية لضمان إجراء الاستفتاء بصورة سلمية، وإذا تم ذلك فإن المجــال سينفتح امام العديد من الأسئلة، فعلى سبيل المثال ماذا سيكون مصير ‬2,5 مليون لاجئ جنوبي يقيمون حاليا في الشمال، هل سيتم طردهم؟ وهل سيصبحون من مواطني الجنوب تلقائيا أم من معدومي الجنسية؟ كيف سيتم تقسيم الحدود؟ وكيف ستكون وضعية قبائل الرعاة الرحّل، الذين ينتقلون عبر الحدود.