تشير استطلاعات الرأي، التي أجريت أخيرا في صفوف الناخبين المسجلين في جنوب السودان، إلى أن 90٪ منهم سوف يقترعون بالموافقة على انفصال جنوب السودان عن شماله. وقد مضى تسجيل القوائم دون مشكلات تذكر وعلى نحو أفضل مما كان متوقعا. ولم تحاول الخرطوم التلاعب بعملية التسجيل. ومن المتوقع أن يمضي الاستفتاء قدما رغم التعقيدات الإدارية المتعلقة بطباعة أوراق الاقتراع، وطرح الأسئلة حول أهلية البعض للاقتراع، وهو ما يجعل الكثير من المراقبين يعتقدون أنه بحلول التاسع من يناير فإن الجنوب سيقترع بالموافقة على انفصاله عن الشمال.
وقد أفسح هذا الاستفتاء المجال لعدد من المفاهيم الخاطئة، أولها يتعلق بأن دولة جديدة واحدة سوف يتم إنشاؤها، ومن المهم أن يدرك المجتع الدولي أن الاقتراع إذا مضى قدما بالشكل المتوقع فسوف يؤدي إلى إنشاء دولتين جديدتين، وسوف تتأثر الديناميات الاقتصادية للشمال بعمق، حيث ان الجنوب الغني بالنفط، الذهب، النحاس، الموارد المائية، وأكثر الأراضي خصبا في إفريقيا، كان المزود الرئيسي بالموارد الطبيعية على امتداد عقود عدة. وبغض النظر عن الاعتبارات الاقتصادية فإن الجنوب الذي تمتع بالحكم الذاتي على امتداد 6 سنوات لن يعود له حضور في الحسابات السياسية للشمال، الذي ربما يفجر انشقاقات عميقة في النخبة الحاكمة في الخرطوم.
ومن المفاهيم الخاطئة ثانيا أن جنوب السودان سيكون دولة فاشلة في اليوم الأول للاستقلال، فالواقع يقول خلاف ذلك، وخلال السنوات الثلاث الماضية تحولت جوبا إلى مدينة حافلة بالنشاط تدار جيدا، وتحفل بعشرات الفنادق، والعديد من الطرق المرصوفة ونظام شامل للتزويد بالمياه، وفضلا عن ذلك فإن جوبا تستطيع بصورة متزايدة تقديم الموارد للأقاليم المجاورة، وهناك مجتمع مدني آخذ في النمو وقطاع خاص يعمل بانتظام. وبناء على طلب الحكومة شهد الجنوب حشودا من الأفارقة الذين يتمتعون بالمهارات في مجال أنشطة الأعمال من الدول المجاورة مثل تنزانيا وأوغندا للمساعدة في دفع الاقتصاد قدما، وقد استثمرت هذه البلاد في دفع الجنوب إلى النجاح، حيث تأمل في تأمين منطقة فاصلة بينها وبين شمال السودان، الذي ترى فيه كيانا عدوانيا. وعلى الرغم من أن هناك تخوفا من وجود تيار ينزع للحكم الفردي في جنوب السودان، إلا أن البرلمان يسمح بمعارضة تؤدي دورها.
والمفهوم الخاطئ الثالث والأخير، والذي له أهمية خاصة، هو أن الشمال يزداد قوة كل يوم، فالخرطوم التي تواجه أزمة انفصال وشيك تحفل بالانقسام، بل إن بعض المراقبين يعتقدون أن الشمال أكثر تعرضا للتحلل من الجنوب ويبذل حزب المؤتمر الوطني الحاكم قصارى جهده بمواصلة البقاء لعدد من الأقاليم، وليس في دارفور فحسب، وهناك مسؤولون حكوميون يقرون بأن الخرطوم لم تسيطر على هذه الأقاليم أبدا. ففي النيل الأعلى، على سبيل المثال، فقد حزب المؤتمر الوطني الحكم أيضا السيطرة على المناطق الإضافية المهمشة ومن بينها جبال النوبة.
ويرى المراقبون أنه يتعين على واشنطن لكي تتجنب أي إساءة تقدير من جانب الخرطوم أن تبادر سريعا لضمان استقرار المنطقة على المستوى الاستراتيجي، وهم يشيرون في هذا الصدد إلى أن الولايات اللمتحدة ينبغي عليها فورا أن تبادر إلى تقديم ضمان أمني للجنوب، ويبررون ذلك بأن هذا من شأنه أن يردع الشمال، ولكن مفهوم الأمن المتزايد في جنوب السودان يمكن أن يساعد جوبا على تقديم التنازلات الضرورية لصفقة لتقاسم العوائد مع الشمال. وينبغي ثانيا على الولايات المتحدة، بحسب رؤية هؤلاء المراقبين، الدخول في اتفاقية تجارة حرة مع جنوب السودان تتضمن تسهيل الاستثمار الأميركي في الجنوب. وثالثا يتعين على واشنطن أن تقيم سفارة لها في جوبا لترسل بذلك رسالة مفادها أن الولايات المتحدة التي لديها مصالح أمنية واقتصادية ودبلوماسية في الجنوب على استعداد للبقاء هناك طويلا. وأخيرا ينبغي على الولايات المتحدة أن توسع نطاق جهودها لزيادة القوة العسكرية لجنوب السودان، وذلك لتقليل خطر نشوب حرب مستقبلية، وبالمساعدة في ضمان استقرار المنطقة.
على صعيد آخر فإن المراقبين يؤكدون على ضرورة النظر في الدروس المستفادة من العلاقات بين المؤتمر الوطني في الخرطوم وجيش التحرير الشعبي في الجنوب على امتداد السنوات الست الماضية. وهم يشيرون بشكل خاص إلى الدروس التالية:
؟ لم يجعل الشمال الوحدة هدفا جذابا.
؟ واصل الشمال استخدام أساليب وحشية في معاملاته، ولجأ إلى توظيف عناصر عرفت بضراوتها.
؟ حقق الجنوب نجاحا عبر التماسك الذي تكفل حقوقه الزعيم الراحل جون غارانغ وقيادة سلفاكير، لكن هذا النجاح قد لا يدوم.
؟ درج الجنوب على عدم الوفاء بالتزاماته، وهو نمط في السلوك لا يحتمل أن يتغير مستقبلا.
وعلى الرغم من أن الاستفتاء سينهي مرحلة في هذه العملية إلا أنه سيبدأ مرحلة أخرى.
وبينما تركز جانب كبير من التقارير الإعلامية الأخيرة على استقرار الجنوب فإن التهديد الحقيقي الذي يخيم على السودان هو الخلافات المحتملة في الشمال حيث سيكون من الصعب عليه أن يحتمل فقدان 70٪ من عائدات النفط، حيث سيحصل عليها الجنوب. كما أن وجود الحكومه نفسه سوف يعرض للخطر من خلال تطرف المنطقة. وإذا قدر للحكومة في الشمال أن تنحل فإن العناصر المتطرفة التي لها حضور قوي بالفعل في الشمال يمكن أن تسيطر على الوضع، الأمر الذي يعني إيجاد حزام متشدد يمتد من الصومال عبر السودان وصولا إلى ليبيا.
