تحتاج الدبلوماسية التي تتبعها واشنطن حيال عملية السلام في الشرق الأوسط إلى تعديل حاسم أيا كان المقياس الذي نقيس به النجاح، فالرئيس الأميركي باراك أوباما بعد أن أعطى أولوية متقدمة لسلام الشرق الأوسط، وعين مبعوثا على مستوى عال للمنطقة في اليوم الثاني من توليه مسؤوليات إدارته مباشرة، لا يمكنه الشعور بالفخر حيال الحقيقة القائلة بأن دبلوماسيته العربية- الإسرائيلية لم تحرز نجاحا يذكر.

وعلى الرغم من أن عوامل عديدة قد ساهمت في الوصول إلى هذه النتيجة البائسة، إلا أن سببا مركزيا يقر به الآن صانعو السياسات الرئيسيون في الإدارات الأميركية، يتمثل في الموقف الأميركي من إصرار إسرائيل على مواصلة بناء المستوطنات في الضفة الغربية.

والوضع الذي وصلت إليه السياسة الأميركية في هذا الصدد لا يترك أمام الرئيس أوباما للتحرك نحو هدفه المتعلق بالتوصل إلى سلام فلسطيني- إسرائيلي إلى مجموعة من العناصر الرئيسية التي ينبغي التعامل معها.

وتشمل هذه العناصر ما يلي:

أولا: اختبار المجالات من التقدم الدبلوماسي الفلسطيني والإسرائيلي، التي يمكن إحرازها من خلال ممارسة مكثفة فيما يتعلق بتحقيق مكتسبات متوازية من كل طرف بخصوص ما يمكن لهذا الطرف أن يكون على استعداد للقيام به على مستوى القضايا الأساسية، إذا لبى الطرف الآخر شروطا جوهرية. ولن يكون هذا عودة إلى النهاية المسدودة التي وصلت إليها المباحثات المباشرة التي كانت في جوهرها مباحثات حول المباحثات، وإنما ستكون مناقشات رفيعة المستوى مع قادة الجانبين لاختبار مجموعة من الافتراضات. فإذا سلم الفلسطينيون بمتطلبات أمنية إسرائيلية معينة، فما الذي سيمكن عرضه بالمقابل فيما يتعلق بالانسحاب من الأراضي؟ وإذا أشار الإسرائيليون إلى استعدادهم لتلبية مطالب فلسطينية فيما يتعلق بالمفاوضات على أساس خطوط وقف النار للعام ‬1967 مع تعديلات يوافق عليها الطرفان، فما هي الترتيبات الأمنية التي سيوافق عليها الفلسطينيون في المقابل؟

كيف ستؤثر الثقة الفلسطينية والإسرائيلية في التزامات الإسرائيليين فيما يتعلق بالأراضي، والتزامات الفلسطينيين فيما يتعلق بالأمن، في مفاهيم الطرفين عن القدس؟ إن عمليات تبادل وجهات النظر هذه، التي ستتطلب الحرص والصراحة والوضوح، لن تحل محل المفاوضات المباشرة الفعلية، وإنما ستمهد الساحة لإطلاق هذه المفاوضات على مستوى أكثر تقدما مما حدث حتى الآن.

ثانيا: استكمال هذا الاستكشاف على مستوى دبلوماسي رفيع بقرار أميركي بإعطاء ثقل مماثل على الصعد الدبلوماسية والبيروقراطية والسياسية لعملية التفاهم من القاعدة إلى القمة، وعملية التفاوض من القمة إلى القاعدة. وفي الوقت الحالي فإن العملية الأولى، أي التفاهم من القاعدة إلى القمة، هي وليدة للعملية الثانية، ذلك أن التفاهم من القمة إلى القاعدة جذاب ويستقطب عناوين الصحف، بينما التفاهم من القاعدة إلى القمة بعيد عن الجاذبية، ومضجر إلى حد بعيد، وهذه التركيبة الذهنية يتحتم تغييرها.

ثالثا: نقل الحرج الذي يحس به بعض القادة العرب حول تسريبات ويكيليكس بشأنهم إلى قناة مختلفة، هي جعل التزامهم بدعم الفلسطينيين ليصبح التزاما حقيقيا، وليس التزاما على مستوى الخطاب فحسب. الأمر الذي من شأنه أن يدفع قدما بفرص إقرار السلام العربي- الإسرائيلي. وتتيح اللحظة الراهنة فرصة نادرة إلى دفع القادة العرب نحو تأييد ملموس للجهود المبذولة لبناء المؤسسات الفلسطينية، وبشكل أكثر عموما إقناعهم بتقديم غطاء محدد، وغير مشروط ومفتوح النهاية، للرئيس الفلسطيني محمود عباس لاتخاذ قرارات بشـأن القضايا التي يجري التفاوض عليها باسم المصالح الفلسطينية، وأيضا المصالح العربية الأوسع نطاقا.

إن هذه العوامل إذا أخذت في مجملها فإنها تشكل إستراتيجية جديدة لصنع السلام في الشرق الأوسط، وهي تمثل الحقيقة القائلة في أن فشل جهود العامين الماضيين لم يكن راجعا إلى انهيار المفاوضات، أو إلى عيب أساسي في مفهوم حل الدولتين، وإنما كان راجعا، إلى حد كبير، إلى التكتيكات الأميركية غير الموفقة، وبالتالي فإن تصويب المسار هو معالجة المنهاج الأميركي في العمل، وليس انتقال الولايات المتحدة إلى مسار آخر للمفاوضات. وعلى سبيل المثال، التفاوض بين إسرائيل وسوريا، أو قيام الإسرائيليين أو الفلسطينيين بتبني خيارات أحادية. ويكمن في جوهر هذا المنهاج الأميركي الجديد في التحرك تركيب ذهني مختلف فيما يتعلق بطبيعة العملية ذاتها، وهو تركيب يعتمد على تقدير الإنجازات التي تدفعها الأهداف.