بعد أسابيع من الجهد غير المثمر، تخلت الولايات المتحدة، أخيرا وعن حكمة، عن جهودها لضمان تجديد مدة تجميد بناء المستوطنات الإسرائيلية كمدخل لإعادة إطلاق المفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية المباشرة. ومع ذلك فإنه وسط تكهنات حول الكيفية التي قد تستأنف بها إسرائيل والفلسطينيون المحادثات، فإن واقعا محددا يفرض نفسه، وهو أنه يقترب سريعا من ذلك المنعطف الذي تصبح عليه المفاوضات بين الجانبين على الصعيد العملي، وفي المستقبل المنظور، أمرا منتهيا. وفيما يجري إرسال المبعوثين واستكشاف آفاق الأفكار، فإن المناقشات يمكن أن تستمر، ولكنها ستكون قد فقدت كل حياتها وطاقتها ومعناها.

ربما لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ملتزما كلية بالتوصل إلى صفقة سلام مع الفلسطينيين، ولكنه لدى توليه منصبه فإن العديد من العوامل جذبته في ذلك الاتجاه، فقد كان يشعر بالقلق حيال الضغط الأميركي والإقليمي، وكانت لديه مخاوف إزاء الرأي العام الإسرائيلي، ولم يكن واثقا من رد فعل الفلسطينيين حيال الجمود المتطاول.

وقد تصور نتانياهو أنه قد يمكنه من خلال أفكار خلاقة أن يدفع الرئيس الفلسطيني إلى التحرك في اتجاه لم يكن يتصوره، وبالإضافة إلى ذلك، وأخذا بالتاريخ في الاعتبار، فإن نتانياهو قد تصور نفسه باعتباره الرجل الذي سيجلب أخيرا الاعتراف والأمن لإسرائيل. وخلال العامين الماضيين تراجعت المخاوف وذوي الأمل. ودهش نتانياهو عندما وجد نفسه يقاوم المطالب الأميركية ويتحدى ضغط الرئيس الأميركي عليه، ويخرج من هذا كله دون أن يكون الطرف الأضعف.

والسخط من جانب الأنظمة العربية هو أمر واقعي، ولكنه غير مؤثر، فقد تركزت انشغالات هذه الأنظمة على مواصلة إبقاء الأوضاع فيها على ما هي عليه، ومواجهة متاعب إقليمية أخرى. ودفع مزيج من التوغلات العسكرية والإجراءات الأمنية الإسرائيلية والتعاون مع أجهزة الأمن الفلسطينية إلى التصاعد، وأدى الإعياء الذي ساد الضفة الغربية بصورة ملموسة إلى تقليص التهديد بعنف يعتد به، ولن يعجل هذا الجمود بإعادة توحيد هذا الصف الفلسطيني المنقسم على نفسه، كما أن نتانياهو يواجه ضغطا محدودا، أو لا يكاد يكون له وجود، من الرأي العام الإسرائيلي، دع جانبا جوهر تجمعه السياسي، الذي لم يكن سعيدا تماما بعملية السلام.

وقد كان الاجتماع بالرئيس الفلسطيني محمود عباس مصدرا لتأثير معاكس هو تصوير الرجلين باعتبارهما سياسيين يزدادان تباعدا، ويشعر نتانياهو الآن بأن الأفكار الجديدة لن يكون لها تأثير على رجل له قناعات راسخة، وأن هوة الخلاف بين الجانبين أكبر مما كان يأمل أن تكون عليه.

وفي غضون ذلك استيقظ شركاء نتانياهو في التحالف اليميني، وراحوا يهددون برد حاسم في حالة قطع خطوات دبلوماسية إلى الأمام. وبرهنت جاذبية التاريخ المجردة على أنها أقل تأثيرا من ضوابط الحاضر الملموسة.

كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل عامين يعكف على أفكار محددة، وقد انطلق جانب من هذه الأفكار من اعتقاد دام عمرا بكامله بأن الإسرائيليين يمكن إقناعهم بقوة المنطق والعقل الخالصة للحاجة إلى التوصل إلى حل وسط، كما أنه علق آمالا كبارا على الرئيس الأميركي باراك أوباما، واعتمادا على سابقه في هذا الصدد، لم يكن لديه سبب يدعوه إلى الاعتقاد بأن رئيس وزراء إسرائيلي يمينيا سيكون بالضرورة أسوأ من رئيس وزراء إسرائيلي وسطي أو يساري.

غير أن التفاؤل الكامن في هذه الأفكار لم يدم طويلا، وحل محله شعور متزايد بالتشاؤم، فقد واجه عباس مهمة بطولية كان يحتاج للعون من الجميع لكي يتمكن من إنجازها، غير أن أحدا لم يساعده بالفعل، وبدأت الثقة في الولايات المتحدة تتراجع، نتيجة لسلسلة من عمليات إساءة التقدير والعجز من جانب واشنطن عن الوفاء بوعودها.

وأحس عباس أيضا بأن الكثيرين على الجانب العربي ممن تعهدوا بدعمه قد تخلوا عنه عند أول منعطف. وعلى الجانب الداخلي فإنه لم يكن هناك ثقل سياسي أو قوة دفع وراء المفاوضات، فعلى نحو لا يختلف كثيرا عن نتانياهو، خرج عباس من لقاءاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بعناصر تثبيط كثيرة، كما أزعجته مطالب نتانياهو، وكذلك الهوة الكبيرة التي تفصل مواقف الطرفين.

وبالنسبة لعباس الذي خاطر بكل شيء بالرهان على المفاوضات، فإن إدراك واقع الأمر كان محبطا بشكل خاص، فرفضه للعنف هو موقف جذري وليس شيئا يمكن أن يعيد النظر فيه. ومع ذلك فإنه الآن، فحسب، يتصالح مع النتائج العملية المترتبة على ذلك، من دون أن يكون هناك بديل عملي لاستراتيجية التحرك الدبلوماسي التي منيت بالفشل.

والنتيجة هي شعور حاد بالعجز، ولا بد أن يضيف المرء إلى ذلك اعتماد الفلسطينيين الكلي على المانحين الأجانب في الحصول على الدعم الاقتصادي والسياسي، وهو الأمر الذي زاد من ضيق مجال التحرك العفوي.

ولن تكون تلك هي المرة الأولى التي تصل فيها مفاوضات فلسطينية- اسرائيلية إلى مرحل الجمود، غير ان الوصول إلى هذه المرحلة في هذه المرة من شأنه أن يكون مختلفا، فإذا فشل نتانياهو في الوصول إلى اتفاق، فقد ينقضي وقت طويل قبل أن ينجح زعيم إسرائيلي في ذلك، وقد يؤكد بشكل حاسم في عيون معظم الإسرائيليين أن السلام لا سبيل إلى تحقيقه الآن.