يا لها من مهمة مستحيلة، فلمرة الأولى منذ عام ‬2003 الذي شهد الغزو الأميركي للعراق، أصبحت للعراق حكومة، يمكن القول بحد أدنى من الدقة أنها تشمل الأطراف السياسية البارزة كافة.

وقد استغرق تشكيل الحكومة العراقية الجديدة منذ انتخابات السابع من مارس الماضي تسعة أشهر كاملة لكي يتمكن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من تقديم الحكومة الجديدة برئاسته، أخيرا، للبرلمان.

لا تزال هناك بالطبع مشكلات عديدة، مثل الكهرباء والانقطاعات المتوالية فيها، والانفجارات الإرهابية، وكلها قائمة، ولكن مع تصالح الشيعة والسنة والأكراد في ظل حكومة واحدة، أصبح من الممكن للقوات الأميركية الموجودة في العراق، وقوامها ‬50 ألف جندي، أن تنسحب من هناك في غضون عام.

وتقوم الولايات المتحدة أيضا بأكبر تحول لها من المساعدة العسكرية إلى المساعدة المدنية في بلد واحد، منذ خطة مارشال التي نفذت في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية. ويجري حاليا افتتاح قنصليات أميركية في مدن خارج بغداد، وأصبح العراق ساحة لاجتذاب المستثمرين الأجانب في غمار محاولته منافسة السعودية في تصدير النفط.

لقد آن الأوان لكي تقوم واشنطن بإعداد العراق، الذي لا يتمتع بتقاليد ديمقراطية تذكر، وهاجم من قبل اثنين من جيرانه، لكي يصبح شريكا رئيسيا في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، تماما كالدور الذي لعبته ألمانيا في أوروبا واليابان في آسيا.

يتعين على الأميركيين الآن يتوقعوا أقل من ذلك، بعد أن خدم ‬1,5 مليون أميركي في العراق، وبعد أن قتل هناك ‬4440 جندي أميركي وعشرات الألوف من العراقيين. والبلدان يربطهما تاريخ ولد من رحم مخاوف ما بعد أحداث سبتمبر، ولكن أيضا تربطهما آمال بالنسبة لشرق أوسط يمكن أن يتخلص من التطرف عبر الديمقراطية التي تنتقل من بلد إلى آخر.

وكما قال الرئيس الأميركي باراك أوباما في أغسطس الماضي: «لقد واصلنا مسيرتنا بسبب اعتقاد نشارك فيه الشعب العراقي، وهو أنه من رماد الحرب يمكن أن تولد بداية جديدة في مهد الحضارة هذاس.

والنجاحات الهشة، ولكن الواضح، في العراق تخدم بالفعل كنموذج للصراعات الأخرى، كالصراع في أفغانستان. وعلى سبيل المثال فإن إنهاء الحرب الأهلية التي اندلعت في ‬2006 قد تطلب مزيجا دقيقا من زيادة القوات والبراعة الدبلوماسية واستخدام فرق للإعمار في المحافظات.

والولايات المتحدة تقوم أيضا بدعم التبادل على المستوى الجماهيري، مثل توظيف المهندسين العراقيين الشبان في الشركات الأميركية التي تستخدم التقنية المتقدمة، على أمل أن يقوموا بإطلاق أنشطة أعمال في بلادهم لدى عودتهم إليها. وتقوم وزارة العدل الأميركية بمساعدة العراق على دعم التزامه بحكم القانون.

ويبلغ قوام القوات العراقية الآن حوالي نصف مليون رجل، وتعمل انطلاقا من دوافع وطنية وليس دوافع عرقية. وفي مؤشر لإحياء النزعة الوطنية العراقية والتسامح الطائفي نجد، على سبيل المثال، أن النزاعات بين السياسيين العراقيين الشيعة أنفسهم تعادل التوترات بين السياسيين الشيعة والسنة.

وتحقق المزايا الإستراتيجية للصداقة الأميركية العراقية مكاسب عديدة، وبافتراض أن الكونغرس الأميركي يواصل دعم الجهود الأميركية في العراق، فإن: «الشعب العراقي سيجد حليفا قويا في الولايات المتحدة» حسبما أكد الرئيس أوباما. لقد عانى الأميركيون من حرب رهيبة في العراق، ولكن حسبما قال أوباما أيضا فإنهم: «ساعدوا الشعب العراقي على السعي وراء نور السلام».

ومن خلال تحقيق المصالحة بين الأطياف المختلفة في العراق، والتي كان يبدو منذ ثلاث سنوات، فحسب، أن من المستحيل تحقيق التصالح بينها، فإن العراق قد بدأ حقا يحبو نحو ذلك النور.