يلقي الاضطراب السياسي المتطاول في العراق الذي شهد بروز كتلة سياسية معادية بضراوة للولايات المتحدة، ظلال شك جديدة على إقرار دور عسكري أميركي ممتد في العراق، بعد أن ينسحب آخر الجنود الأميركيين، المقدر عددهم بــ 50 ألف جندي من هناك في غضون الإثني عشر شهرا المقبلة.
وفي ضوء أوجه القصور العسكرية في العراق، وبصفة خاصة في سلاح الجو، وتنسيق معلومات الاستخبارات والإمدادات، فإن المسؤولين الأميركيين والعراقيين قد توقعوا منذ أمد طويل أن بعض الحضور العسكري الأميركي حتى وإن أخذ الدور الاستشاري سيستمر بعد 2011، وهو الموعد النهائي لانسحاب القوات الأميركي في العراق، الذي تم التفاوض عليه في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، واعتمده الرئيس الأميركي باراك أوباما حتى الآن.
وعلى الرغم من تواصل التخطيط في البنتاغون لأية مهمة أميركية مستمرة في بغداد ، فإن الساحة السياسية المتغيرة في كل من الولايات المتحدة والعراق ، قد جعلت من الممكن، بصورة متزايدة، أن يكون الانسحاب الأميركي من العراق في 2011 انسحابا كليا حقا.
وقد أكد المسؤولون العسكريون الأميركيون في مقابلات أجريت معهم، أخيرا، أن البيت الأبيض لم يتخذ قرارا نهائيا بعد حول ما إذا كانت أية قوات أميركية ستبقى بعد الموعد المقرر للانسحاب، وأن واشنطن لن تبحث مثل هذا الأمر ما لم تطلبه حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.
وتعد هذه المسألة بالغة الحساسية من الناحية السياسية في بغداد وواشنطن، بحيث أن المسؤولين الأميركيين يتحدثون عنها بشرط عدم الإشارة إليهم بالاسم. والأكثر من هذا أنهم يقولون إن هذا الموضوع لم يطرح بالتفصيل في اللقاءات الخاصة الأخيرة بين القادة العراقيين والأميركيين، بما في ذلك اللقاء الذي عقد أخيرا في بغداد بين المالكي ورئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الأدميرال مايك مولن.
ويلفت النظر أن أحد المسؤولين الأميركيين البارزين أشار إلى أن المالكي لا يمكنه أن يطلب الآن وجود بصمة أميركية قوية وممتدة في بغداد، فمن شأن ذلك أن يطرح قضية أخلاقية، مثيرة للجدل إلى حد بعيد. وربما يظل الأمر كذلك على امتداد شهور عدة، الأمر الذي يثير كثيرا من القلق في صفوف القادة العسكريين والمسؤولين السياسيين الأميركيين الذين يعكفون على رسم ملامح ما تسميه الإدارة الأميركية إنهاء الوجود الأميركي في العراق.
وهم يعكفون على التخطيط لخفض مستمر للقوات والقواعد الأميركية في العراق يبدأ في الربيع المقبل ويصل إلى ذروته نهاية العام المقبل. وهذه الخطط ازدادت تعقيدا عما هي عليه بالفعل بسبب غياب اليقين حول القوات التي ستحل محل القوات المنسحبة، أو ما إذا كان هذا الإحلال سيتم أصلا. ويستمد هذا التعقيد جانبا من معطياته من الحقيقة القائلة أن المالكي يقود ائتلافا هشا تتبع فيه الأطراف المختلفة أجندات متصارعة بما في ذلك تحالف بعض أعضاء البرلمان العراقي مع التيار الصدري.
وهذا التحالف الجديد، الذي أتاح للمالكي فترة حكم ثانية، سيجعل من قبيل المخاطرة الشديدة على الصعيد السياسي أن يقوم المالكي بتبني سياسات مخالفة لتلك التي أعلن الالتزام بها.
وقد أصبح من عناصر هذا التعقيد أيضا الثقة المتزايدة في قوات الأمن العراقية، جنبا إلى جنب مع الاعتزاز بالذات من جانب الكثيرين من العراقيين، وهو ما دفع المالكي وسياسيين آخرين إلى استبعاد الحاجة إلى قوات أجنبية لمساعدة العراق في حماية نفسه.
وربما يعكس هذا درجة من التباهي السياسي، ولكن المسؤولين في المؤسستين العسكريتين الأميركية والعراقية يشيرون إلى نضج قدرات الجيش العراقي والشرطة الاتحادية، التي تقوم حاليا بتسيير الشؤون الأمنية اليومية دون تدخل يذكر من جانب الأميركيين.
وتشير المصادر المطلعة إلى أن مسألة الوجود العسكري الأميركي تثير نزاعات عميقة في صفوف العراقيين، حيث يمقت الكثير منهم ما ينظرون عليه على أنه احتلال أجنبي صريح لبلادهم، وذلك على الرغم من أن بعضهم ينظر إلى الوجود الأميركي في العراق على أنه عنصر كبح للهجمات التي تقوم بها العناصر المتمردة، وأيضا للنزاعات العرقية المتفاقمة.
وعلى سبيل المثال فإن الجنود الأميركيين يواصلون العمل في نقاط التفتيش على امتداد الحدود الداخلية بين الأكراد والعراق، جنبا إلى جنب مع قوات من الطرفين، للحيلولة دون اندلاع أي اشتباكات محتملة.
ومن ناحية أخرى فإن الإدارة الأميركية قد وضعت بالفعل خططا لتوسيع مكثف للسفارة الأميركية في بغداد وعملياتها التي يدعمها الألوف من المتعاقدين الأمنيين، ومن المقرر أن تتولى السفارة الأميركية في بغداد ومكتبان للأقمار الصناعية في الموصل وكركوك وقنصليتان في أربيل وبغداد القيام بأكثر من ألف مهمة، يضطلع بها في الوقت الحالي العسكريون الأميركيون في العراق.
وتخطط الإدارة الأميركية على الصعيد العسكري، وفي الحدود الدنيا، لإنشاء ما تسميه بمكتب للتعاون الأمني سيقوم بتشغيله، على نحو ما هو موجود في دول أخرى بالشرق الأوسط، مسؤولون مدنيون وعسكريون أميركيون يشرفون على تدريب قوات الأمن العراقي وإمدادها بالأسلحة والمعدات.
