بقلم: إيان جونسون ترجمة: عصام بيومي
كان السؤال الكبير الذي أحاط اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني الأخير هو من الذي سيقود الصين في العقد المقبل. رأى البعض أن تعيين شي جينبنغ نائب الرئيس الصيني في منصب رفيع في اللجنة العسكرية للحزب التي تشرف على جميع فروع القوات المسلحة الصينية، سيعني بصورة شبه مؤكدة أنه سيخلف الرئيس الحالي هو جنتاو عند نهاية فترته الثانية في الرئاسة بعد عامين من الآن... وهذا هو ما حدث، إذ عين نائباً لرئيس اللجنة. وإن كان ذلك قد جاء بعد فترة من الغموض.
وإذا كان ذلك قد بدا معقداً ومحيراً، فهو كذلك. وإذا بدا أيضاً غير متوافق، وأكثر شيوعية من اللازم، لدولة حديثة تعتمد اقتصاد السوق، فهذا حقيقي كذلك. ولكن إذا قاد ذلك إلى الاعتقاد بأن النظام الصيني في مرحلة الدخول إلى مزبلة التاريخ فربما كان ذلك فألاً طيباً، لكنه قد يكون خطأً كبيراً. ففي مراحل عدة من تاريخه اعتبر المراقبون أن الحزب الشيوعي الصيني قد انتهى أمره وقضى نحبه، بعد سلسلة من الإخفاقات، وعمليات التطهير، والتصفيات السياسية، والمذابح، والمجاعات، والكثير غير ذلك. ولكن في كل مرة كان الحزب يعود للحياة، وغالباً بعد أن يكون قد غير مساره بطريقة مثيرة.
حدود القوة
اليوم، يعتقد أن الحزب أقوى مما كان في أي وقت مضى، لكن القليل من المراقبين يعلمون حدود قوته. لقد ركز الإعلام العالمي خلال معظم سنوات التسعينات والعقد الأول من القرن الحالي، على مدى ابتعاد الحزب عن صبغته الشيوعية. وتحولت تغطية وسائل الإعلام الغربية، لقضايا الصين، من تغطية المسائل السياسية لتركز على النمو الاقتصادي الصيني، وعلى أوجه التشابه المتزايدة بين المجتمع الصيني والمجتمعات الغربية، وخاصة فيما يتعلق بالحريات الفردية. كان الجميع يسلم بأن الصين دولة شيوعية، ولكن مع إيماءات وإشارات توحي بأنها تسير في عكس الاتجاه.
إبراز التغيرات التي تمر بها الصين ليس خطأً بالطبع، فهي قد تغيرت كثيراً بالفعل. ويرجع الفضل في ذلك، بدرجة كبيرة، إلى تخلصها من الكثير من السياسات والممارسات الشيوعية. ولكن كما يشير ريتشارد ماكروغر في كتابه «الحزب: العالم السري لحكام الصين الشيوعيين»، فإن الحزب الحاكم لا يزال يملك زمام الأمور، بل على العكس فهو في قلب الأحداث، على كثرتها وتنوعها، ومن ذلك التغيرات في أسواق المال العالمية، والمضاربات في بورصة نيويورك، والخلافات بشأن كوريا الشمالية.
وإذا كان الحزب أبعد ما يكون عن وصفه بأنه آيل للسقوط، فإنه يبدي علامات قوة مثيرة، كما يظهر من تحليل ماكروغر المقنع، في فصول عدة من كتابه، عن كيفية إدارة الحزب لقضايا الصين الاقتصادية والعسكرية وحتى لفهمها للتاريخ. ورغم أن الكثير من سياساته ليست شيوعية، فإن الحزب يظل حزباً لينينياً في تركيبته وتنظيمه، وهو ما يسفر عن مؤسسات وأنماط سلوكية يمكن أن ترضي قادة الثورة الروسية. ويثبت كتاب ماكروغر أنه رغم السرية التي تحيط بالحزب الشيوعي الصيني، فإنه لا يزال من الممكن تحليل أسباب قوته. لكن فشل الغرب في القيام بذلك أدى إلى إساءات كثيرة مثيرة للفهم بشأن الصين، من أهمها أن الحكومة الصينية تقوم بخصخصة اقتصادها. ففي التسعينات، وعلى سبيل المثال، أعلنت الحكومة الصينية أنها إشارة فهمت في الغرب على أنها تتجه إلى الخصخصة. ولكن اتضح أن ذلك لم يزد على تحويل الشركات المملوكة للحكومة إلى شركات مساهمة، مع احتفاظ الدولة بحصة فيها تمكنها من القيادة. وبيعت حصص من الأسهم عبر العالم لمستثمرين متطلعين للفوز بجزء من كعكة النمو الصينية، ولكن تبقى معظم الشركات الصينية، مهما كان حجمها وأهميتها، في قبضة الحكومة.
جماعات قيادية
والوضع مشابه على المستوى السياسي، حيث يوجه الحزب سياسات الحكومة من خلال هيكل مواز بعيداً عن الأضواء. ففي أعلى درجات القمة يكون كبار القادة أعضاء في «جماعات صغيرة قيادية» تضم وزراء وخبراء ومسؤولين في نطاقات سياسية مهمة. وفيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية يعرف ذلك الهيكل باسم جماعة الحزب الشيوعي الرئيسية للقضايا الاقتصادية والمالية، والتي يرأسها رئيس الوزراء وين جياباو. ويرأس رئيس الدولة هو جينتاو «جماعات قيادية» أخرى حول السياسة الخارجية والاستقرار المحلي وقضايا تايوان.
وفي إطار ذلك، تقوم الجماعات القيادية بتوجيه تعليماتها إلى الوزارات المعنية بشأن ما يتوجب عليها القيام به. وعلى سبيل المثال، تقوم الجماعة القيادية المختصة بالاقتصاد والمال بالإيعاز إلى بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) بزيادة أو خفض أسعار الفائدة. ومحافظ البنك هو مجرد عضو في تلك المجموعة، وليس مستقلاً، شأن محافظ البنك المركزي الأميركي بن برنانكي.
تلك الجماعات القيادية هي مصادر السلطة الحقيقية في الحكومة المركزية الصينية، ولكنها، مثل هيئات الحزب الأخرى، يحاط أعضاؤها بالسرية، ولا تذكر أسماؤهم في وسائل الإعلام. ولولا جهود المراقبين للأوضاع الصينية في العصر الحديث لما أمكن معرفة قوائم أولئك المسؤولين المشاركين في عضوية تلك اللجان.
وتتغلغل تلك اللجان في جذور الأوساط العامة، كما أنها تتمتع بسلطات في مجالات أخرى، مثل الجامعات ومعاهد العلم، فمثلاً، دور ناظر المدرسة الثانوية مهم، لكن كلمة سكرتير الحزب الشيوعي في المدرسة هي النافذة غالباً. وكذلك مؤسسة القضاء، حيث يترجم القضاة قرارات المحكمة التي تتخذها لجنة الحزب الشيوعي للشؤون القانونية إلى أحكام. وبما أن القضاة لا يمكنهم إصدار أحكامهم باستقلالية، فإنه لا فائدة من الجهود الغربية لتدريبهم على سبيل تعزيز سيادة القانون.
إساءة فهم
وتجاهل هذا النظام أو عدم فهمه يؤدي إلى إساءة فهم الكثير من الأخبار الواردة من الصين. فعندما تعرضت الصين لوباء «السار» في العام 2002، حاولت الحكومة إخفاء تلك الأنباء ولكنها لاحقاً عزلت وزير الصحة، وهو تصرف كان المقصود منه الإيحاء بوجود تغيير مهم في الصين، حتى يقول الناس إنه الآن يتحمل مسؤول في الصين مسؤولية خطئه، ويتم إقصاؤه بعد غضبة شعبية.
ولكن في الحقيقة، وكما يوضح ماكروغر، فإن ذلك الوزير لم يكن سوى كبش فداء. فقرار إخفاء أنباء الوباء اتخذته لجنة حزبية قيادية، كان الوزير مجرد عضو فيها. ولم تتم محاسبة أي من أعضاء الحزب الآخرين، وفي الواقع، لم يذكر اسم تلك اللجنة على الإطلاق.
وتم إلقاء اللوم كله على ذلك الوزير.
يحتاج نظام مواز مثل ذلك إلى جيش جرار من الكوادر المؤهلة. ويضم الحزب الشيوعي الصيني أكثر من 87 مليون عضو، وهو ما يساوي تقريباً عدد سكان ألمانيا جميعاً. وبشكل نظري، يقوم الأعضاء بالتصويت لاختيار ممثليهم في ذلك النظام، الذي يتصاعد حتى يصل في قمته إلى اللجنة التساعية وهي اللجنة المركزية الدائمة للمكتب السياسي للحزب. وفي الحقيقة، تقوم الأجهزة العليا في الحزب، في العادة، بتزويد الأعضاء الأقل شأناً بقوائم مرشحين موافق عليها مسبقاً. ويعني ذلك أن النظام يختار نفسه بنفسه، حيث يحاول القادة ترقية وتصعيد أشخاص موالين لهم، بما يمكنهم من تنفيذ برامجهم الخاصة.
ونتيجة ذلك هي أن الحزب يتكون الآن من فصائل تتجمع حول قيادات، كما أن الانشقاقات في الحزب عميقة وقاتلة، وهو ما أدى إلى ظهور الكثير من المشكلات. لكن ليس من العدل إلقاء اللوم كله على الحزب الشيوعي. وهل يوجد حزب واحد في العالم يمكنه حل كل تلك المشكلات! وبالعودة إلى التسعينات، قاد الصين آنذاك، زعيم كاريزمي يدعى زهو رونغي. وكان كل شيء يسير بطريقة جيدة في عهده. وكان ذلك، بالطبع، الوقت الذي شهدت فيه الصين الكثير من الإصلاحات العظيمة، حيث تقلص القطاع العام، وبدأت براعم المجتمع المدني في النمو. وقد تزايدت قوة النظام الذي أسسه رونغي، لكنه بات هشاً، في بعض النواحي. فالقطاع العام يعيد قبضته على الاقتصاد. وفي مجال السياسة الخارجية تقصر بكين اهتمامها على قضايا محلية، مثل التبت وتايوان، وعلى استغلال ثروات إفريقيا وآسيا الوسطى.
وفي ظل مهارة الحكومة في السيطرة على النواحي السياسية يتراجع المجتمع المدني، كما تتراجع مكاسب أخرى تحققت في السنوات الماضية.
ولا شيء من ذلك يهدد الحزب الشيوعي الصيني في المستقبل القريب، لكن ذلك يشير إلى افتقاره للرغبة في الإصلاح. وبوجود الصين على قمة العالم الاقتصادية يبدو أن جثوم الحزب على قمة السلطة الصينية أكثر مناعة من أي وقت مضى، لكنه أكثر عرضة للخطر أيضاً.
