فر مئات الآلاف من اللاجئين السوريين من أتون الحرب المستعرة في بلادهم إلى مختلف بقاع الأرض، لكن حظ بعضهم العاثر قادهم إلى غزة المحاصرة، إبان فترة عمل الأنفاق الحدودية، ليعيشوا حياة بائسة، اضطرتهم للتحول إلى متسولين.
فنحو 450 لاجئاً سورياً دخلوا غزة في فترة الانتعاشة وحبسوا فيها، فلا هم قادرون على مغادرتها لعدم وجود ختم دخول رسمي إلى القطاع، ولا باستطاعتهم العيش فيها ولا الحصول على عمل.
في غرفة ضيقة بمبنى قديم شمال قطاع غزة، يسكن اللاجئ السوري منصور الجمالي، ولجأ إلى غزة بعدما غادر سوريا برفقة أسرته، واختاروا غزة بعد أن سبقه الكثير من أقاربه إليها، في محاول للم شمل العائلة الممزقة، رافضين الالتحاق بالقوافل المتوجهة إلى أوروبا عبر البحر وتعريض حياتهم للخطر.
فمع تزايد حدة الحرب الدائرة في سوريا تدريجياً وسوء الأوضاع المعيشية غادر منصور كآلاف السوريين من مخيم اليرموك لغياب الأمن والأمان، متوجهاً إلى مطار دمشق الدولي، ومكث فيه لمدة ليلتين نتيجة أزمة الطيران، وغادر سوريا متوجهاً إلى مصر، وهناك اخبروه انه محظور عليهم السفر للقطاع، وتمكن حينها من إقناع زوجته بدخول قطاع غزة عبر الأنفاق مثل كل اللاجئين السوريين المتواجدين بغزة.
حالة أسرة
خمسة أبناء هم أسرة منصور، ورزق بطفلة في غزة أطلق عليها اسم «شام»، ولم يكن يتوقع أن تكون حياته في غزة أسوأ من حياته في سوريا حتى في ظل الحرب، حيث قال لـ«البيان»:«لم يعد لدينا سوى تنظيم الاعتصامات بشكل متواصل للمطالبة بتحسين حياتنا كلاجئين، فنحن بحاجة للعمل لنعيل أطفالنا، وبحاجة لجوازات سفر، ولم يتوفر لنا أي شيء كلاجئين في غزة، ونعانى من الإهمال الرسمي».
وأفاد منصور انه يعيش في بيت صغير كان معروضاً للإيجار مكون من غرفة واحدة، تستره الجدران ويأكل الخبر والملح بداخله مع أطفاله، في أبراج الندى شمال قطاع غزة بالقرب من السياج الفاصل، واضطر للنزوح مرة ثانية برفقة أسرته في العدوان الأخير على قطاع غزة، كما دمرت إسرائيل معظم الأبراج خلال الحرب، ودمر حينها منزل منصور ضمن المنازل المدمرة.
وعاد منصور في هجرته الثالثة للبحث عن منزل جديد إلى أن تمكن من استئجار منزل ضيق وصغير كان يضع فيه صاحبه الطيور، ليتحسر على حياته في سوريا، ويكتب لنفسه حياة صعبة في غزة بدون ادنى مقومات الحياة.
ويتابع:«نعاني من عدم حصولنا على أوراق رسمية، وحاولنا استصدار أوراق رسمية من المؤسسات الرسمية بغزة لتعيننا على الحياة، ومنحتنا حكومة غزة بطاقة تعريف فقط للتعرف علينا في حال حدوث مكروه، ولا تمكننا هذه البطاقة من التعليم أو تسجيل أشخاص أو الحصول على مساعدة أو العلاج».
وأكد منصور انه نادم اشد الندم بقدومه إلى قطاع غزة لأنه بذلك لم يدمر نفسه فقط بل دمر أسرته بالكامل، معتقداً منذ البداية أن غزة ستكون كسوريا، ولكن خاب ظنه وما زال يدفع الثمن.
وضع سيئ
وبدوره، قال الناطق باسم العائلات السورية في غزة عاطف العيماوى، ان معظم العائلات المهجرة من سوريا والتي تعرضت منازلها للقصف، تتجمع مع بعضها البعض في منازل مستأجرة، نظراً لعدم وجود أقارب لهم في غزة يقدمون لهم المساعدة، ولم يتمكنوا من الحصول على فرص عمل ليتمكنوا من إعالة أطفالهم وأسرهم.
وأضاف:«يتواجد في قطاع غزة ما يقارب 400 عائلة هربت من سوريا، ومنهم فلسطينيون لاجئون أو حتى سوريو الأصل، واغلبهم يعاني من وضع اقتصادي سيئ، وهذا مرتبط بالحصار المفروض على غزة، وهم حالياً يعانون من أوضاع صعبة، فأغلب المؤسسات الاغاثية مشغولة ولا تلتفت لهم».
وتقوم بعض المؤسسات النسوية في غزة على تدريب وتأهيل النساء اللاجئات من سوريا لمواجهة ظروف الحياة الصعبة من خلال فتح آفاق عمل ومشاريع صغيرة لهن ليتمكن من الإنفاق على عائلاتهن، وخاصة ممن فقدن أزواجهن أو رب الأسرة.

