بين قرار إجراء استحقاق الانتخابات البلديّة والاختياريّة بلبنان في مواعيدها المقرّرة بين 8 و29 مايو المقبل، التزاماً بالقانون، و«حرب النيّات» الغامضة التي تدور في الكواليس غير المعلنة حيال مصير هذه الانتخابات، من المنتظر أن يبلغ السباق ذروته خلال الأيام القليلة المقبلة، في ضوء المعطيات التي تستبعد تماماً نشوء أيّ عامل من شأنه تعطيل الانتخابات وفق المسار الجاري، سواء في ما يتعلّق بالإجراءات اللوجستية التي باتت ناجزة، أو بمواقف القوى السياسية والأهلية، حيث بدأت عمليّاً التحضيرات للانتخابات على أساس أنها حاصلة لا محالة.
وكان عقد الانتخابات البلدية والاختيارية اكتمل مع دعوة وزير الداخلية نهاد المشنوق الهيئات الناخبة في كل من محافظات الجنوب والنبطية والشمال وعكار، ليكون يوم 8 مايو المقبل هو يوم الانطلاقة في بيروت والبقاع وبعلبك - الهرمل.
أما الحديث عن التأجيل، فلم يعد ذا قيمة بعد التأكيد المتواصل لكل القوى السياسية بأن الانتخابات حاصلة في موعدها، وآخرها كان للوزير المشنوق الذي أكد أن وزارته «منهمكة» في الإعداد الجدّي لإجراء هذه الانتخابات في مواعيدها، من دون أيّ تعديل أو تأجيل، في مختلف المحافظات اللبنانية.
وفي تعريف الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان، إنها استحقاق للعائلات، الكبيرة (السياسية) والصغيرة، حتى أن ما يُعرف بأجباب العائلات المتشعّبة منها تلعب دوراً في ترجيح كفّة هذا الفريق المرشّح للانتخابات أو ذاك. لذلك، تتداخل في هذا الاستحقاق الأدوار السياسية والحزبية والعائلية على نحو معقّد أحياناً وأكثر تعقيداً في أحيان أخرى، بحيث يمكن لقوّة سياسية تتمتع بحيثيّة وازنة في هذه البلدة أو تلك أن تخسر في الانتخابات البلدية بفعل بعض التحالفات الذي يتقدّم فيها العائلي على السياسي في غالب الأحيان.
استعدادات
وفي حين باتت الانتخابات البلدية أمراً مسلّماً به، لولا بعض المشكّكين الذين ما زالوا يراهنون على التأجيل، تستعدّ الأحزاب والقوى السياسية لخوض هذه المعركة في المدن والبلدات والقرى، تحت شعارات مرتبطة بتأكيد وتثبيت أحجامها.
وثمّة من يعتقد أن الانتخابات لن تأتي بجديد، فيما يخالف الواقع هذا الاعتقاد، لأن ثمّة ثنائيات حزبية وسياسية جديدة سوف تفرض نوعاً من التغيير. علماً أن حركة تأليف اللوائح تسارعت على امتداد لبنان، لاسيما في المدن الكبرى، فيما لا تزال المساعي والجهود تُبذل في السرّ والعلن لاستيلاد توافقات في بعض الدوائر تحول دون مواجهات «كسر عظم»، وخصوصاً أن هذه الانتخابات هي من أكثر الاستحقاقات الداخلية إثارة للجدل، واللافت فيها هو أن عملية تصفية الحسابات تمتد من الجنوب إلى الشمال وتطاول الحلفاء، كما تشكّل امتحاناً لصدقية التحالفات الجديدة والالتفافات السياسية وعمليات إعادة التموضع.
وبعدما بات من المؤكّد أن هذا الاستحقاق سينطلق على قاعدة «الشاطر بشطارته»، فإن القوى السياسية أعلنت حالة الاستنفار القصوى في صفوفها الحزبية وقواعدها الشعبية، سعياً إلى استدراك ما فاتها من تأخير في تجهيز العدّة والعديد لهذا الاستحقاق.
ويبدو واضحاً أن هناك رغبة لدى معظم الأطراف الأساسيّين في تجنّب المعارك الطاحنة، والنحو في اتجاه التوافق حيثما أمكن، حتى لا يكون الطابع الإنمائي لهذا الاستحقاق سبباً في شرذمة العائلات وتعميق الشروخ بين توجّهات العائلة الواحدة، وتالياً ترسيخ الانقسامات السياسية في ما بينها.. إلا أن ذلك لن يحول دون حصول معارك قاسية في بعض البلدات والقرى، سواء ما بين العائلات التي تخوض حروب بقاء لاستمرار نفوذها واستئثارها ببعض المجالس البلدية، أو بين أحزاب وإقطاعيات سياسية وعائلية تستميت لتكريس تفرّدها في مواجهة منافسين يسعون إلى إثبات وجودهم وحضورهم وحجم قواعدهم الشعبية.
ولأن العذر الأمني، الذي اختبأت خلفه السلطة السياسية كي تبعد كأس الانتخابات النيابية عنها، يبدو هذه المرة غير ضاغط، على اعتبار أن الاستحقاق البلدي سيجري على مراحل ما يخفّف من عبء التحدّي الأمني والاستعانة بالقوى الأمنية لتغطية الاستحقاق على كامل الخريطة اللبنانية، فإن الوزير نهاد المشنوق يصرّ على تقديم الإثبات تلو الآخر على أنّه يقوم بواجبه على أكمل وجه، وأنّ «أمّ الوزارات» جاهزة لمواكبة هذا الاستحقاق بكل ما يستلزم من تحضيرات لوجستية وإدارية وأمنية لتجديد «عروق» المجالس البلدية والاختيارية بـ«حقن المقوّيات الديموقراطية»، كي لا تنضمّ بدورها إلى قافلة المؤسّسات المطعون بشرعيتها.
التأجيل أو التوافق
وفي السياق، برزت خلال الأيام القليلة الماضية معلومات تشير إلى تقييم الأجهزة الأمنية للوضع الأمني في البلاد، ولقي اهتماماً سياسياً، لا سيما بالنسبة للمهتمين بإجراء الانتخابات البلدية من كل القوى السياسية والشعبية، خصوصاً أن هذا التقييم السلبي للوضع لم يعد محصوراً بالأجهزة الأمنية، بل تعدّاه إلى قوى سياسية معنية تملك معلومات بأن الوضع الأمني سيء في كل المناطق، وعزته إلى أمرين اثنين: الأول، الاهتراء الذي بلغته مؤسّسات الدولة، في ظل الفضائح التي تطاول مختلف الأجهزة والقطاعات، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس على الأداء العام.
والثاني، يتعلّق بالتهديدات الإسرائيلية بعمل عسكري ما في الجنوب. وإزاء هذين الأمرين، لفتت مصادر المعلومات إلى أن الدولة أمام احتمالين: إما تأجيل الانتخابات البلدية مـدّة ثلاثة شهور، رغم أن هذا الأمر متعذّر لاعتبارات عديدة، لعل أوّلها ضرب مصداقية الدولة.
أما الاحتمال الثاني، وهو القرار الأرجح، أن تجري هذه الانتخابات في مواعيدها المقرّرة، لكن مع الحرص على أن تتمّ بالتوافق، تجنّباً لحصول معارك انتخابية محلية أو سياسية، قد يكون لها تداعيات أمنية.
وفي تقدير مصادر متابعة، أن ثمّة قراراً كبيراً اتخذ بأن تتمّ الانتخابات بالتوافق، أو بالتزكية في المدن الكبرى، وأشارت لـ«البيان» إلى أن هذا الأمر لا يسري فقط على حزب الله وحركة أمل في مناطق الجنوب والبقاع، بل أيضاً على القوى المسيحية، لا سيما حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ، رغم أنهما يحجمان عن فرض توافقهما على الآخرين، لئلا يفسَّر ذلك بأنه نوع من مصادرة القرار المسيحي، في حين أن تيّار المستقبل لا يُخفي دعوته، بل سعيه الحثيث، للتوافق في كل من بيروت وطرابلس وصيدا.
«بروفة» للاستحقاق النيابي
وفي مقاربة بسيطة بين الدوافع المشجّعة لخوض غمار هذا الاستحقاق وبين تلك المتحمّسة لدفنه تحت تراب التمديد، تظهر بوضوح أنّ الكفّة تميل للأولى عبر دفع القوى السياسية إلى التعامل مع الانتخابات البلدية على قاعدة «شرّ لا بدّ منه»، خصوصاً أنّها تسبق بالزمن الاستحقاق النيابي..
وتجدر الإشارة إلى أن القوى المسيحية، وتحديداً التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، تأمل في تحقيق نتائج مبهرة، على شاكلة «تسونامي» تجتاح الخارطة المسيحية على امتدادها، بفعل تكريس تفاهمها السياسي واستثماره انتخابياً.
في المقابل، يُنتظر كيف ستتعامل القوى السنيّة مع بعضها البعض، ربطاً بموقف الرياض من البيت السنّي وما إذا كان هناك توجّه لنسج تفاهمات موضعية قد تكون تمهيداً لــ«بروفة» الانتخابات النيابية وتكريس هذا التفاهم، أم أن الحلبة ستُترك لتنافس أبناء الجمهور السنّي وقياداته.
