آلاف السودانيين يقبعون داخل السجون تحت طائلة المادة 179 من القانون الجنائي التي تنص على حبس من يعطي شيكاً مردوداً إلى حين السداد، فالنص أثار خلال الآونة الأخيرة جدلاً قانونياً واسعاً، لا سيما مع تزايد أعداد نزلاء «الشيكات» الذين باتت السجون تضيق بهم في ظل محدودية إمكانياتها، ووصلت مطالبات البعض باعتبار الشيك مجرد ورقة ضمان..
وبالتالي انتفاء العقوبة الجنائية على ساحبه في حالة ارتداده من البنك لعدم وجود رصيد للساحب، فيما يرى آخرون ضرورة الإبقاء على احتفاظ الشيك بوظيفته الأساسية كأداة دفع وسداد، مؤيداً بعقوبات جزائية تمنع إساءة استخدامه.
يقول مدير إدارة سجون السودان الفريق شرطة أبو عبيدة سليمان، إن نزلاء الحق الخاص ألقوا بأعباء على إدارته، وقال إن كثرة النزلاء تستوجب زيادة الصرف على السجون، وقال سليمان خلال ندوة أقيمت لمناقشة النص القانوني:
«يبقى لحين السداد» بالبرلمان السوداني، إن زيادة فئة جرائم الحق الخاص بالسجون خلق مشكلة اكتظاظ داخل السجون، ما أثر سلباً وخلق عبئاً كما أنه أثر في تقديم البرامج الإصلاحية للنزلاء، إضافة إلى أن ذلك خلق مشكلة على مستوى تأمين النزلاء إلى جانب الضغط على مرافق السجن، ما ينعكس سلباً على البيئة داخله.
وطالب مدير سجون السودان بالنظر في إعسارات النزلاء من ناحية موضوعية، وكشف أن سجن الهدي في أم درمان، وحده، به 922 نزيلاً تحت طائلة «يبقى لحين السداد».
أبعاد عدة
ولجريمة ارتداد الشيكات بحسب خبراء أبعاد اقتصادية واجتماعية ونفسية، فمن الناحية الاقتصادية، مُصدر الشيك في كثير من الأحيان يضطر إلى بيع ممتلكاته لدفع قيمة الشيك، وذلك يقود إلى البعد الاجتماعي الذي لا ينحصر في المتهم فقط، وإنما يتعداه إلى أسرته في سبيل فك ضائقة عائلها الذي يمكن بغيابه أن تنحرف أسرته..
إضافة إلى ذلك فإن هناك آثاراً نفسية تنعكس على المتهم، خصوصاً إذا ما كان المبلغ كبيراً فسيكون مصيره السجن ويبقى لحين السداد، وهو ما قاد إلى مطالبة مختصون بمعالجة القضية في إطار القانون المدني بدلاً عن القانون الجنائي.
بدوره، يرى عضو لجنة التشريع والعدل بالبرلمان السوداني الفاضل حاج سليمان، أن حبس المدين لعجزه عن سداد قيمة الشيك لا يشكل ضماناً لحق الدائن ولا يتيح للمدين فرصة التحرك والبحث عن كيفية سداد المبلغ المحكوم به، ويؤكد أن الحبس لا يشكل عقوبة بديلة عن سداد المبلغ المحكوم به..
كما في الأحكام البديلة في حال العجز عن دفع الغرامة، ويذهب سليمان إلى أن بقاء المدين محبوساً لعدم السداد، وبقاء المبلغ المحكوم به في ذمته لصالح المدين ينافي مبادئ العدالة، كما أن ذلك لا يتوافق مع الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية.
مقترح قانوني
تشير قاضي المحكمة العليا في السودان سوسن سعيد شندي، إلى أن حبس المدين ينبغي ألا يتم الأمر به إلا إذا كان منصوصاً عليه في الحكم، ولاعتبارات يراها القاضي ضرورية..
وفي حال عدم النص، يكون الحبس بطلب الدائن وبعد التأكد من عدم وجود مال للمدين للتنفيذ في مواجهته، وترى شندي ضرورة تعديل القانون، بحيث يجوز للمحكمة الأمر بوضع المحكوم ضده في السجن إذا تبين لها من استجوابه أو من الأدلة بأنه رفض أو أهمل دفع المبلغ المحكوم به أو جزء منه، رغم مقدرته على الوفاء.
