في مايو 2014، عادت حديقة الصنائع أو حديقة رينيه معوّض، في محلّة الصنائع بقلب بيروت، إلى الحياة، بعد أعوام طويلة من الإهمال، لينبعث معها تاريخ عاصمة خنقها التمدد الإسمنتي وغياب اللون الأخضر عن شوارعها وأقلّ ما يقال عن تلك المساحة الاستثنائيّة التي تضاهي الحدائق الأوروبيّة إنها الرئة الأخيرة للعاصمة، أو عنصر ندرة غير متجدّد مهدّد جديّاً بالانقراض في حال عدم الحفاظ عليه.
هو الإسمنت لا يزال يزحف إلى طرق بيروت وممراتها ويحيط بها من شتّى الجوانب، والبيوت التراثيّة تسقط الواحدة تلو الأخرى، ومعها تضيع التفاصيل الصغيرة التي كانت تزيّنها.. غير انها لا تزال تتنفس عبر حدائق عامّة يناهز عددها الـ37، منتشرة في مختلف المدن التابعة لنطاق بلدية بيروت، وتجتمع في معنى وجودها وهيكليتها..
وإن اختلفت في تسمياتها، بين اسم بعض العائلات الغالبة في المنطقة أو اسم أحد أعلامها، لتخلّد ذكراهم أشجاراً تعمّق جذورهم في التاريخ اللبناني.. حدائق للعامّة تلف بيروت الكبرى، من السيوفي الى برج أبي حيدر، مروراً بحرش بيروت، وامتداداً الى المناطق الأبعد نسبياً في سنّ الفيل وصولاً إلى الشويفات.
وتتحدّى أخطبوط الإسمنت الذي يتربص بالمدينة، فلا يترك رقعة صغيرة، ولو كانت «شبراً» إلا ويلتهمها ليمحو اللون الأخضر من خريطتها.
وفيما المعيار الدولي حدّد حصّة الفرد الواحد من المساحات الخضراء بعشرة أمتار مربعة، فإن تلك النسبة في لبنان لا تتجاوز المتر المربع الواحد، إن لم يكن أقلّ، فعلى الرغم من توافر 37 حديقة على مستوى بيروت الكبرى، إلا أن هذا العدد يعتبر قليلاً وغير كافٍ مقارنة بمساحة المدينة وكثافتها السكانية.
«بيروت بتجنِّن»
وخلال السنوات القليلة الماضية، ومن أجل تعزيز حبّ الناس للحدائق وإعادتهم الى أحضانها، وكي لا يبقى حزام بيروت غابة باطون، برزت حملة «بيروت بتجنّن»، والتي أطلقتها البلدية، قبل أن توجّه الدعوة الى القطاع الخاص من أجل المساهمة في المشروع القائم على ثلاثة محاور: الأوّل، تبنّي المساحات الخضراء التي تشمل الحدائق والوسطيّات بين الطرق..
والجزر حيث تلتقي الطرق، وتأهيلها وصيانتها. الثاني، إعادة تخطيط الحدائق الأساسيّة وتنسيقها، لتصبح متنفّساً طبيعياً للناس ومساحات للحياة والتفاعل والتلاقي. أما المحور الثالث، فيتمثل بزيادة المساحات الخضراء، من خلال استحداث حدائق جديدة موزّعة في أرجاء المدينة.
حديقة الصنائع
وأولى الحدائق التي تمّ تبنّيها هي «حديقة رينيه معوض» في محلّة الصنائع، وهي حديقة تمتدّ على مساحة 22 ألف متر مربع، وتعتبر الأكبر والأقدم في بيروت، إذ تعود إلى العام 1908.
يومها، أصدر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني فرماناً بإنشاء مكتب الصنائع والتجارة الحميدي (مبنى وزارة الداخلية والمكتبة الوطنية حالياً)، والى جانبه تمّ تدشين الحديقة على مساحة من الأراضي الخاصة والأوقاف الذريّة والأهلية..
وقدّرت بنحو 22.000 متر مربع، قدّمت من آل طبارة وطيارة والحص وسيّور وعائلات أخرى. أما أول شتلة زُرِعت في هذه الحديقة، فكانت في العام 1907، قبل افتتاحها رسمياً في العام 1908.
طوى الزمان السلطنة والمكتب، وبقيت هي، لترى قصور الرؤساء تشيّد من حولها، ولترى مياه نافورتها تنطفئ، والبطّ يغادرها، والقصف الصاروخي يطالها، والشجر ييبس، ثم ينتعش فيها، تبدّل الوقت، وتبدّلت المعالم بالكامل..
والحديقة خسرت اسمها القديم، واستعاضوا عنه باسم «رينيه معوّض»، لكنّها في ذاكرة أهل المدينة بقيت حديقة الصنائع، النافذة الخضراء المتاحة للهروب من المدينة، والتي كانت لفترةٍ طويلةٍ من الزمن حديقة البرجوازيّين، إلى أن جاءت الحرب، وتخلّت الحديقة عن برجوازيّتها لمصلحة الفقراء والعاديّين من الناس.
إعادة تأهيل
وفي مايو 2014، أعيد تأهيلها بالكامل، بعدما تبنّت إحدى الشركات تكاليف التنفيذ التي بلغت نحو 2,5 مليون دولار.
وقد روعي في مشروع تأهيلها تخفيف المساحات المبلّطة وزيادة المساحات الخضراء، وتخصيص أماكن للأطفال، وممرّات للدرّاجات الهوائيّة. وأنشئ مدرّج صغير تقام عليه النشاطات الثقافية والحفلات الموسيقية، وزاوية للمعارض، وحائط للمشاهير توضع عليه لوحات تحمل أسماء فنانين لبنانيين في احتفال سنوي.
وبين متقاعد يغالب الوقت، وعاشق ينتظر حبيبته، تفرض الحديقة نفسها حاجة تفتقر إليها الكثير من المناطق اللبنانية الأخرى. وللأطفال، بفئاتهم العمريّة المختلفة، الحصّة الأكبر من مساحتها الإجمالية، ثلاثة ملاعب مخصّصة ومجهّزة بشتّى الألعاب وُضِع أمام مدخل كلّ منها توصيات بالممنوعات، تقول إحداها: «يُمنع اللعب ضمن هذه المساحة دون مراقبة من قبل الراشدين».
وثبّت في أرجاء الحديقة 150 مقعداً تتسع لـ450 شخصاً.. أما نافورتها «العتيقة»، فأعيد تأهيلها وأصبحت على علوّ 20 متراً، وهي حالياً أعلى نافورة في بيروت، إذ تبدو كعروس تتبختر بزيّها الأبيض وحولها المدعوّون.. مدعوّون بلا «كارت عزيمة» إلى مكان عام مجّاني يُعدّ واحداً من بين آخر المساحات الخضراء المتبقيّة في بيروت.


