شارع ضيق متآكل جوانبه تشكو الإهمال وغدر الزمن وعدم الرعاية متفرع من شارع صلاح الدين الرئيسي الواصل بين معبر رفح جنوباً ومعبر ايرز شمالاً، لو أتيح له الحديث لروى تاريخاً حافلاً عندما كان معبر سيارات رؤساء وزعماء من المطار للوصول إلى مدينة غزة برفقة الرئيس الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات. ولمدة ثلاثة أعوام متصلة.
وكان هذا الشارع أهم شارع في القطاع يسلكه كل من رغب في السفر عبر المطار الذي تحول إلى مرعى أغنام تتجول في ارضه بحثاً عن رزقها بعدما تم تدميره كلياً على فترات متقطعة بفعل قذائف دبابات الاحتلال الإسرائيلي.
لم يعد يدخل هذا الشارع الواصل لمطار غزة سوى سكان منطقة الشوكة شرق مدينة رفح لعدم وجود أي مصلحة للمواطنين هناك، بعد تدمير المطار على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي طوال سنوات الانتفاضة الثانية مطلع عام 2000.
أكوام من الركام هي ما تبقى من مطار غزة الدولي الذي يعتبر رمز السيادة الفلسطينية وحلت الأعشاب مكان المدرج والأغنام مكان الطائرات، نهاراً وتنقطع الحركة كلياً في المنطقة مع ساعات الليل، لاستهداف قوات الاحتلال كل ما يتحرك فيها.
عدة بنايات من عدة طوابق وأرضية ومدرج وبرج مراقبة وصالة استقبال مسافرين، جميعها تتبع للمطار، تم تدميرها بعشرات الصواريخ التي أطلقتها الطائرات الإسرائيلية وتحولت لأكوام ركام، مما دعا المواطنين وبعض الجهات الحكومية العمل على إفراغ المطار من محتوياته وتسريح العاملين فيه.
أبو محمود رويشد «53 عاما» يسكن بجانب المطار منذ القدم، ينظر للمطار بعين الحسرة بعدما تحول لركام واجتاحته الأغنام بحثا عن طعامها، ونبشه العمال بحثا عن الردم وبعض ما يتم استصلاحه للبيع.
ويقول «كانت أجمل أيام حياتنا في سنوات عمل المطار، كنا نشاهد كل القادة والرؤساء والمواطنين، ولحظات السعادة الكبرى لحظة هبوط وإقلاع طائراتنا الفلسطينية، صدقا كانت لحظات انتصار لنا».
ويضيف لـ«البيان»: تحول المطار لركام ولا تزال بعض المباني المدمرة قائمة علها تذكرنا بالماضي الجميل، ولكن المنطقة أصبحت خطيرة لقربها من الاحتلال الإسرائيلي، وتسللهم الدائم إليها والبقاء فيها طوال ساعات الليل، مما يجبرنا على التزام منازلنا مع غياب الشمس خوفاً من الخطف والقتل.
وصوب أبو محمود عينيه إلى جهة غربية للمطار بعض ما تبقى منها هي عامود باطون واحد، ليستذكر تاريخه قائلاً: «هذا العامود هو ما تبقى من باب خاص للرئيس ياسر عرفات، كنا نشاهده دائماً ونستقبله ونودعه لحظة دخوله وخروجه من الباب الخاص بكبار الشخصيات، لو نطق هذا الباب لروى تاريخاً مشرفاً لقادة مروا من هنا».
وداخل ارض المطار المتعرجة يقوم بعض سكان المنطقة المجاورة بزراعة المدرج بالقمح والشعير، ورغم صعوبة وخطورة الوصول إلى بعض الأحراء البعيدة من المطار إلى ان الحوجة تدفع الفلسطينيين إلى المجازفة بزراعة تلك الأرض مستغلين معرفتهم إلى حد ما بتحركات الجيش الإسرائيلي اضافة لمعرفة بعضهم بعضاً لصلة الدم التي تجمعهم.
وعلى مقربة من الأرض المزروعة يقوم بعض العمال من فئة الشباب بنبش ارض المطار على الرغم من قصفه وهجرانه قبل أكثر من 15 عاماً، إلا أن الأمل ما زال يراودهم بالعثور على أنابيب بلاستيكية في باطن الأرض من شبكة الصرف الصحي الخاصة وبيعها لشركات البلاستيك، فيما ينهمك شاب آخر وسط مبنى مدمر في المطار بتكسير أعمدة الباطون للحصول على قضبان الحديد واستصلاح بعضها لبيعه لمحلات مواد البناء.


