عندما أصبحت اليونان بؤرة أزمة الديون في أوروبا بعد انهيار النظام المصرفي العالمي في العام 2008، انتشرت مجموعات المتطوعين المحلية للمساعدة في تخفيف المعاناة. والآن، ومع ظهور أزمة جديدة في البلاد، بدأت شبكات مماثلة تتصدر المشهد مرة أخرى - ولكنهم هذه المرة قادمون لمساعدة الأجانب الذين لا حول لهم ولا قوة.
يعني الاتفاق الذي تم إبرامه الأسبوع قبل الماضي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا أن جميع الوافدين الجدد إلى اليونان يجب إعادتهم إلى تركيا. مع ذلك، فإنه لا يغطي عشرات الآلاف من اللاجئين والمهاجرين الذين تقطعت بهم السبل في البلاد منذ إغلاق جمهورية مقدونيا اليوغسلافية السابقة ودول أخرى على طريق البلقان لحدودها أمام جميع طالبي اللجوء في وقت سابق من هذا الشهر.
وقدّرت الحكومة عدد المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل بحوالي 50 ألف شخص، ولكن من المرجح أن يكون الرقم الحقيقي أعلى نظراً لوجود الآلاف في منازل خاصة أو في الملاجئ العفوية المقامة في محطات الوقود ومواقف السيارات.
وفتح الجيش المعسكرات المهجورة بمعدل اثنين في الأسبوع طوال الشهر الماضي، ولكن وصول ما يقرب من ألف وافد جديد يومياً يطغى على القدرات الرسمية لتوفير السكن والغذاء والرعاية الصحية. وبالتالي، تقع مسؤولية التدخل وملء الفراغ الذي تركته الدولة على عاتق مجموعات المتطوعين.
وقالت إيوانا مورايتي، وهي طالبة تدرس تكنولوجيا المعلومات في البلدة الزراعية لاريسا في وسط اليونان، في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، إنّها تحاول «أحاول عدم التفكير في المدى الطويل، لأننا بعد بضع سنوات من الآن قد نجد أنفسنا في موقفهم. إنه واجبنا كيونانيين أن نقدم يد المساعدة، كل حسب إمكانياته».
مورايتي هي إحدى المتطوعين في جمعية «أنا أقدم» (Prosfero ) وهي منظمة شعبية صغيرة تساعد في توزيع وجبات الطعام التي يعدها سلاح الجو للذين يقيمون في مخيم بجوار مصنع نسيج مهجور. وصل أول 400 لاجئ على متن حافلة قبل أسبوعين، ثم وصل 600 آخرين خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعد أن تم إجلاؤهم من جزيرة ليسفوس. وبموجب الاتفاق الجديد بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، لا تزال اليونان بحاجة إلى إجلاء حوالي 5500 مهاجر ولاجئ من الجزر الشرقية.
وحشدت مجموعة أخرى مقرها لاريسا تسمى مواطنون نشطون (Energoi Polites) شبكة الجهات المانحة الخاصة بها لمساعدة اللاجئين، وأصبح لديها الآن قبو ومرآب مليئان بالملابس والبطانيات. وقال القيادي في المجموعة كوستاس كيدراس: «لا يمكننا استيعاب كافة التبرعات ونبحث عن مساحة إضافية».إغلاق الحدود
وتفاقمت أزمة اللاجئين حقاً في اليونان خلال فصل الخريف الماضي، عندما تم السماح فقط لبعض الجنسيات بالمضي قدماً نحو الشمال. ففي السابق، كانت الغالبية العظمى من المهاجرين الذين وصلوا إلى الجزر اليونانية تتجه إلى الشمال في أقرب وقت ممكن بعد نقلهم إلى البر الرئيسي عن طريق القوارب. ومع فشل السيطرة على أعداد المهاجرين واللاجئين المتراكمين على الحدود، بدأت الشرطة توقف الحافلات في مناطق الخدمات على الطرق السريعة.
وجمع إلياس تسولاكيديس، الذي أسس جمعية «مكاني» وجماعته ما استطاعوا تدبيره من الطعام وأخذوه إلى اللاجئين. وظلوا في حالة تأهب منذ ذلك الحين.
وفي مخيم في مدينة ايدوميني على الحدود الشمالية لليونان، حيث يقيم 13 ألف مهاجر ولاجئ الآن، يقوم ناشطو جمعية «مكاني» بتنظيف الخيام الموحلة وتوزيعها على الوافدين الجدد، فضلاً عن تحديد اللاجئين الذين يحتاجون إلى عناية طبية.
وبالنسبة لآلاف اللاجئين في اليونان، فقد ساعدهم عمل المتطوعين قليلاً على تحمل الوضع المزري. «اليونانيون شعب عظيم... عطوف وعلى استعداد لمساعدة الجميع» كما قال وليد جمو لشبكة الأنباء الإنسانية.
فر جمو من سوريا منذ شهر مع زوجته الحامل وطفلين صغيرين بعد مقتل ابن أخيه البالغ من العمر سبع سنوات في انفجار قنبلة بينما كان يلعب أمام منزله في حلب. ويشعر جمو بالامتنان لمجرد السماح لهم بالعيش في خيمة على الرصيف الخرساني خارج إحدى محطات البنزين. ويعيش حوالي 1000 شخص آخرين في خيام، على بعد 20 كيلومتراً تقريباً من حدود اليونان الشمالية.
التفرع
لكن تسولاكيديس لا يشارك جمو تفاؤله. فهو لا يعتقد أنه من المحتمل إعادة فتح الحدود الشمالية في أي وقت قريب.
ورغم الاتفاق مع تركيا، فإنه يعتقد أن أعداد المهاجرين واللاجئين الذين تقطعت بهم السبل في اليونان سوف تتزايد. وليست لديه ثقة تُذكر في مخطط الاتحاد الأوروبي الذي كان من المفترض أن ينقل 160 ألف طالب لجوء من إيطاليا واليونان إلى الدول الأعضاء الأخرى في غضون عامين.
بالإضافة إلى ذلك، يشعر تسولاكيديس بالقلق من أن تبرعات اليونانيين سوف تجف في نهاية المطاف، وسوف يكون من الضروري أن تأتي المساعدات من أماكن أخرى. ويقول: «أعتقد أن الناس الذين يقدمون التبرعات بحرية الآن من الفائض الخاص بهم لن يكونوا قادرين على القيام بذلك في المستقبل القريب».
تحول
تحولت جمعية مكاني من منظمة توزع المساعدات الإنسانية محلياً إلى مجموعة توفر مصادر المساعدات على المستوى الدولي لتوزيعها داخل الوطن. وفي هذا الشأن، قال تسولاكيديس: «فتحنا باباً ودخلنا غرفة أخرى في تاريخنا. لا يريد بعض الناس الدخول فيها، ويعتقدون أن الأمور ستتغير أثناء انتظارهم في المدخل.
* ينشر في «البيان» بترتيب مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)
