أشاد وزير التخطيط المصري د. أشرف العربي بالتجربة الإماراتية واستراتيجية دبي 2021، لافتاً إلى استفادة بلاده عند وضع استراتيجية مصر 2030 من تجربة وخطة الإمارات التي وصفها بالناجحة والممتازة.

وأكد أن الحكومة المصرية تضع المواطن المصري محور الاهتمام الأول عند تبني أي خطة أو استراتيجية وتهدف إلى الارتقاء به إلى أسمى المستويات، لكن كيف ترد الحكومة المصرية على التعليقات التي زعمت عدم واقعية استراتيجية التنمية المستدامة «مصر 2030»؟.

وهل تراعي الحكومة التحديات الاقتصادية في نظرتها للمستقبل؟ وكيف يتم التعامل مع ملف عجز الموازنة بما لا يخل بالعدالة الاجتماعية؟ وكيف يتم ضبط منظومتي الأجور والدعم؟ وماذا عن ستة ملايين موظف زيادة عن حاجة الجهاز الإداري بالدولة؟ وهل سيشعر المصريون بنتائج الإصلاحات التي تحاول الدولة تنفيذها في استراتيجيتها الجديدة؟

أسئلة عديدة تدور في أذهان المصريين، محورها الرئيسي المواطن المصري الذي عانى طيلة السنوات الأخيرة من ظروف وتحديات في غاية الصعوبة على شتى الأصعدة، يجيب عنها في حواره مع «البيان»، أقدم الوزراء في حكومة شريف إسماعيل المصرية وزير التخطيط المصري د. أشرف العربي، الذي تولى حقيبة التخطيط في حكومات مختلفة لأربعة رؤساء وزارة في مصر منذ 25 يناير وحتى الآن، ويتولى حاليًا حقيبتي التخطيط والإصلاح الإداري.

وإلى تفاصيل الحوار:

في البداية، ما هي أبرز ملامح بيان الحكومة المرتقب أمام مجلس النواب؟

برنامج الحكومة الذي يقدمه رئيس الوزراء شريف إسماعيل سيكون منبثقًا في المقام الأول من استراتيجية التنمية المستدامة 2030 وأبعادها الثلاثة الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وتحت هذه الأبعاد الثلاثة هناك محاور رئيسة، فلدينا محاور مثل البيئة والتنمية العمرانية والعدالة الاجتماعية والتعليم والصحة والثقافة، ومحاور اقتصادية متعلقة بالتنمية الاقتصادية والطاقة والشفافية.

تحت كل هذه المحاور قطاعات مختلفة في الاستراتيجية طويلة الأجل التي تتبعها خطة تنفيذية على المدى القصير وكذلك المتوسط والطويل.

برنامج الحكومة المطروح أمام مجلس النواب سيغطي الفترة الأولى من هذه الاستراتيجية من العام المقبل وحتى العام 2018، ويأخذ في اعتباره جملة التحديات القائمة والوضع الراهن، وننطلق من كيفية مواجهة هذه التحديات على صعيد العدالة الاجتماعية، حيث نهتم بالبعد الاجتماعي وعلى الصعيد القطاعي من خلال القطاعات المختلفة والمشروعات القومية التي تخدم أهداف الاستراتيجية.

البعض انتقد هذه الاستراتيجية واصفًا إياها بالمفرطة في التفاؤل.. ما ردكم؟

الاستراتيجية طويلة الأجل ونجمع فيها بين الطموح والواقعية، وتحمل أهدافًا من الممكن تحقيقها. صحيح ليس سهلًا ذلك ويحتاج مجهودًا كبيرًا، لكن نسعى إلى تحقيقها ببذل المجهود المطلوب.

وعندما نقول في الاستراتيجية إننا نستهدف الوصول بمصر لقائمة أفضل 30 دولة على مستوى التنافسية رغم أن ترتيبنا الحالي 116 البعض يقول إن ذلك كلام غير واقعي، لكننا لو أجرينا إصلاحات على نفس نهج دول عربية شقيقة مثل المغرب والأردن وغيرهما فمن الممكن أن نقفز لمستويات أكبر، والدليل أن دولًا عربية سبقتنا ونجحت في ذلك.

لقد حددنا - بعد رسم الأهداف - التحديات التي تواجه تحقيق هذه الأهداف، وتم تصنيف التحديات في كل محور من المحاور، وتحديد مدى تأثير كل تحدٍ، كما وضعنا بعض المبادرات والبرامج والمشروعات التي من شأنها مواجهة هذه التحديات للوصول إلى الأهداف المنشودة.

خطة ممتازة

هل استفدتم من التجربة الإماراتية عند وضع الاستراتيجية المصرية الخاصة؟

راجعنا كل الاستراتيجيات ونحن نضع خطة 2030، خاصة استراتيجية دبي 2021، كما راجعنا كل الخطط والاستراتيجيات العربية ولاسيما الخليجية. استفدنا من التجربة والخطة الإماراتية، فهي خطة ممتازة ونراها بشكل واضح ونتابعها.

وفي القمة الحكومية الأخيرة وقعتُ مذكرة تفاهم مع وزير التربية والتعليم الإماراتي معالي حسين بن إبراهيم الحمادي ليكون هناك تبادل خبرات ونستطيع أن نستفيد من التجربتين معًا، لأن مصر أيضاً لديها تجارب ناجحة، صحيح لدينا مشكلات ومعوقات لكن لدينا نماذج ناجحة أيضاً.

وعلى سبيل المثال، فإن مسألة وجود وزارة للسعادة في الإمارات كانت ضمن المؤشرات التي نتحدث عنها في استراتيجية مصر 2030، حيث الهدف الرئيسي أن يعيش المواطن مرتاحاً، نحن نؤمن بهذه الفكرة ونسعى إلى تطبيق المعنى نفسه.

هل راعت الاستراتيجية المصرية الجديدة المواطن العادي وحجم شعوره المباشر بالنتائج السنوية وانعكاساتها عليه؟

فكرة التنمية المستدامة التي نعمل في إطارها ليست مرتبطة فقط بالنمو الاقتصادي، فالتنمية المستدامة لها ثلاثة أبعاد رئيسية: اقتصادي واجتماعي وبيئي، وهي الفكرة التي تجعل المواطن العادي أو الفرد بؤرة الاهتمام في كل الخطط والاستراتيجيات المجتمعية.

وعندما نتحدث عن استراتيجية 2030 يظن البعض أن المصريين لن يروا أية نتائج حتى بعد 15 عامًا، وأن مشكلات كالفقر والبطالة والعشوائيات ستظل موجودة حتى عام 2030، وهذا ظن ليس في محله؛ لأن هناك أهدافًا مرحلية، ويتم التنفيذ من خلال خطة سنوية، حيث توجد آلية للمتابعة ويمكن لجهات غير حكومية كذلك أن تقيّم وتتابع.

أيضاً، في إشارة إلى أن هذا الجهد كله للجيل الحالي والأجيال المقبلة، حيث أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي هذه الاستراتيجية بحضور الشباب، في الوقت الذي أعلن فيه كذلك 2016 عامًا للشباب.

عجز الموازنة من أبرز التحديات، كيف تواجهون ذلك دون زيادة الأعباء على المواطن؟

بالفعل عجز الموازنة من التحديات الكبيرة. ودائمًا ما ندور في حلقة مفرغة، تبدأ بعجز الموازنة ثم الاقتراض من البنوك بالداخل لسد العجز، فتلجأ البنوك للكف عن تمويل القطاع الخاص لأنها تستسهل العمل مع الحكومة، بالتالي تقل فرص الاستثمار وتزداد نسبة الدين الداخلي.

ثم يتم اللجوء للحصول على قروض من الخارج بما يتخطى حدود الأمان؛ ما يقلل التصنيف الائتماني وتبدأ فوائد وتكلفة الدين تزيد. والخروج من هذه الدائرة وكسرها يبدأ بعلاج عجز الموازنة بإعادة النظر في قسمي الإيرادات والمصروفات.

خطأ التسعير

ماذا عن تحقيق التوازن فيما يتعلق بضبط منظومة الدعم بما لا يخل بالعدالة الاجتماعية؟

منظومة الدعم الحالية تتعامل على أساس أن الجميع فقراء، وهذا شيء غير طبيعي. لا يمكن أن نجعل منظومة الدعم كما هي. تنص استراتيجية 2030 على أن يتم تسعير الخدمات بشكل اقتصادي، وأن الفئة التي تحتاج الدعم يتم دعمها بشكل مباشر، سواء عينًا أم نقدًا، من خلال شبكة أمان اجتماعي أو غير ذلك.

من ضمن المشكلات الرئيسة لدينا خطأ التسعير، فعلى سبيل المثال ننفق الكثير على تنفيذ مترو الأنفاق في مرحلة الإنشاء والتجهيز بعدها تسعيرة التذاكر لا تغطي على الإطلاق التكلفة، بالتالي تبدأ الخدمة تتدهور؛ لأنه لا توجد إيرادات للصيانة. ونفس الظاهرة في الكهرباء والمياه والنقل وغير ذلك.

نراعي منظومة العدالة الاجتماعية، ففي ملف الكهرباء مثلًا أعلنا أنه خلال خمس سنوات سيتم إلغاء دعم الكهرباء للفئات الغنية والقادرين، واستبعدنا الشريحة الأولى والثانية، وجاء الرئيس السيسي عندما كنا نضع الموازنة وقال الثالثة أيضاً؛ من باب الحرص على العدالة الاجتماعية. نحن نحرص على قضيتين رئيسيتين في هذا الصدد: الكفاءة والعدالة.

فيما يتعلق بمنظومة الأجور، كيف يتم ضبطها بالتوازي مع رفع كفاءة الجهاز الإداري للدولة؟

هناك جهود كثيرة في هذا الإطار، ظلمنا الموظفين سنوات طويلة، حيث إن التدريب الذي يحصل عليه الموظف من خلال نصيب الموظف من موازنة التدريب «ضعيف للغاية». وواحد من محاور خطة الإصلاح الإداري أن تكون هناك إدارة موارد بشرية تعرف المسار الوظيفي للموظف وليس «باشكاتب» يسجل الحضور والانصراف والجزاءات.

كما ضاعفنا 10 أضعاف موازنة التدريب. وتنص استراتيجية 2030 على أن يكون 1 في المئة من موازنة الأجور مخصصاً للتدريب لرفع الكفاءة. وبدأنا العمل على تدريب الشباب، ومن ضمن هذه المبادرات المبادرة الرئاسية لتدريب الشباب. ولدينا مادة تدريبية على أعلى مستوى، واستطعنا استقطاب أحسن المدربين.

كيف يتم التعامل مع رقم هائل حددتموه في تصريحات سابقة بستة ملايين موظف فوق حاجة الجهاز الإداري للدولة؟

في المتوسط، هناك 180 ألف موظف يخرجون على المعاش سنويًا، أي إنه خلال الخمس سنوات المقبلة سيخرج نحو مليون موظف بشكل تلقائي ورسمي.

كما نشجع على المعاش المبكر، ففي القانون الجديد ننص على أنه لو أراد الموظف الخروج مبكرًا يتم ترقيته للدرجة الأعلى وخروجه على أساس هذه الدرجة. ولن يتم فتح باب التعيينات في الحكومة في السنة الأولى والثانية على الأقل. صحيح لدينا زيادة كبيرة؛ لكن لدينا عجزًا في بعض الكفاءات، وهو ما يتطلب خطة للإحلال والتجديد.

خطط مستمرة

أكد وزير التخطيط المصري د. أشرف العربي أن استراتيجية مصر 2030 «فوق حكومية»، بمعنى أنها ليست مرتبطة بالحكومة الحالية، وأنها استراتيجية مستمرة لدى أي حكومة مقبلة.

وأكد العربي دور المجتمع في وضع هذه الاستراتيجية ودعمها؛ حيث تمت الاستعانة بمئات الخبراء في وضعها، فضلاً عن الاستعانة بآلاف الشباب؛ إذ بدأ الإعداد للاستراتيجية عقب 30 يونيو 2013 مباشرة وبدأ العمل الفعلي لها في يناير 2014، شارك فيها الكثيرون من مختلف التوجهات والخبرات.

وأكد وزير التخطيط المصري أن الاستراتيجية بها آلية للمتابعة والتقويم والمحاسبة؛ كي يستطيع البرلمان قياس الأداء، معلناً عن البدء في تنظيم مؤتمرات دعائية وترويجية للاستراتيجية في المحافظات بداية من الأسبوع الجاري، وكذلك لدى المصريين في الخارج؛ لتوضيحها ومساهمة الجميع فيها.

المؤتمر الاقتصادي أعاد مصر إلى خريطة الاستثمار العالمي

أكد وزير التخطيط المصري د. أشرف العربي أن المؤتمر الاقتصادي الذي نظمته بلاده أخيراً حقق نجاحًا كبيرًا، وكان له أكثر من هدف استراتيجي.

وقال: «عندما كنا ننظم المؤتمر كان هدفنا الرئيس وبشكل واضح أننا نريد إعادة مصر لخريطة الاستثمار العالمي، لاسيما أنه بعد ثورة 25 يناير 2011 وربما منذ قبلها بفترة قصيرة كانت مصر تخرج من هذه الخريطة، ومن خلال المؤتمر الاقتصادي استطعنا أن نحقق نجاحًا في هذا الإطار ونعيد مصر بقوة إلى خريطة الاستثمار العالمي».

توقيت مهم

وأضاف أن المؤتمر كان توقيته مهمًا جدًا، حيث الرسالة السياسية التي أوصلها للعالم كانت رسالة واضحة تمامًا ونجحنا فيها.

وأردف قائلاً: «حققنا نجاحات في العديد من الأطر لتسهيل الاستثمار في مصر، فالمشكلة الرئيسية التي كانت تواجه المستثمرين في الأعوام الأخيرة كانت متعلقة في المقام الأول بالطاقة، الآن لا أحد يشتكي من الطاقة».

خطة عمل

وأشار إلى وجود مشكلات أخرى مثل الإجراءات والبيروقراطية والأراضي وغير ذلك، لكن أكد في المقابل أن الحكومة المصرية لديها خطة عمل من أجل تنفيذ تقرير البنك الدولي حول إجراءات الإصلاح الاقتصادي كي تكون مصر من أفضل الدول التي تقدم مناخًا استثماريًا مناسبًا.