من حين إلى آخر، «يقرّر» الشارع اللبناني أن ينتفض، ليحتل مساحةً تائهة بين «التعبير الديمقراطي» والفرصة للانتقام من الوجه المعنوي للدولة. وعلى جري العادات اللبنانية المتوارثة، يكون قطع الشوارع بالإطارات المحترقة أسلوباً يتيماً يدلّ على العجز عن الابتكار وعن الألوان، كما يشي بانتفاء المرح من نفوس لا ينعشها إلا رائحة دخان المطاط المحروق التي لا تُحتمل، وسط هذا الركام تظهر من حين لآخر مبادرات لمقاومة حرق الإطارات رافعة شعار «بدل ما نولّعها، خلّينا نزيّنها».
مشهد يتكرّر.. يتأبّط دولاباً، عند أول فرصة سانحة. يهرع به إلى الطريق، ليحرقه، ويرقص حوله ضاحكاً مصفّقاً، إما لشعور عميق بالغبن من ظلم اجتماعي- اقتصادي، أو ردّاً على موقف إعلامي، يعتبره جزءاً من «مؤامرة عظمى» يحيكها الكوكب كله ضدّه كشخص أو ضدّ الطائفة التي ينتمي إليها أو ضدّ الحزب الذي ينضوي تحت لوائه. «أبطال» هذه الحركة هم من صغار السنّ والشباب المتحمّسين، يجمعون بعضهم بعضاً وينطلقون لتنفيذ المهمّة، و«العدّة» جاهزة دوماً، كما العديد المتأهّب على مدار الساعة بانتظار إشارة الانطلاق. وعلى الأرض، يلتحق كثيرون بهذه المجموعات، ويتحمّس آخرون لالتقاط الصور، وبينها صور الـ«سيلفي» التي تنتشر وفق قاعدة «النار خلفي»، أو تطبيقاً لشعار «ولعانة»!
والمضحك المبكي، أمام هذا الواقع، إن «النكات» المرتبطة بعمليات حرق الإطارات تنتشر عند حصول حدث ما، إن على صفحات التواصل الاجتماعي أو بين الناس في الأماكن العامة.. «خلّي دولابك الأسود لبيتك الأبيض»، نصيحة مرفقة بالتعليقات الساخرة، ومنها، أنّ مالكي مخازن الإطارات المستعملة يروّجون لبضاعتهم عبر شعار تسويقي: «مع كل إطارين.. خيمة مجاناً»، لتسهيل أمور «المعترضين» و«الغاضبين» الذين غالباً ما يستكملون عملية حرق الإطارات في الشوارع بنصب خيمة «اعتراضية»!
«خلّينا نزيّنها»
وفيما تبقى الإشكاليّة الأساسيّة عن «الرسالة» التي يحملها حرق الإطارات، ومن يغطّي هذه الظاهرة، تبرز من حين الى آخر تجمّعات اعتراضية رمزية، يشارك فيها أطفال يزيّنون الدواليب بالألوان الزاهية ويزرعون فيها الورود.. «بدل ما نولّعها، خلّينا نزيّنها»، و«كلنا تحت سما لبنان»، عبارتان باتتا متداولتين في النشاطات التي تُقام، والتي تحمل رسالة إلى من يحرقون الدواليب لأن يتوقفوا عن هذه الوسيلة للتعبير، لما لها من مضار صحية وبيئية.
كما تبرز التجارب في استخدام إطارات السيارات المستعملة مادةً لتزيين البيوت والمحال والحدائق، بدءاً من طلائها بألوان جميلة وتعليقها على حائط بشكل بسيط وجميل، تستخدم عوضاً عن أحواض لزراعة الورود والأزهار، ووصولاً الى تحويلها بطريقة يدويّة إلى طاولات أو مقاعد أو ديكورات مختلفة للحدائق والغرف.
