لا يختلف اثنان في توصيف الانتحار بأنه عمل بغيض ومشين، وينم عن ضعف شخصية مرتكبه، ويتفق الجميع أن لا أحد يمكنه الإقدام على هذه الخطوة إلا بعد فقدانه الأمل في حياة كريمة عقب أن ضاقت به سبل العيش، ولم يعد قادرا على تأمين ما يسد به رمقه أو لأنه رأى عائلته تموت أمام ناظريه دون ان يقوى على وقف ذلك، كل تلك العوامل تجمعت في رقعة جغرافية واحدة تسمى قطاع غزة مضاف إليها حصار مطبق وجور وفساد ومحسوبية مما جعل معدلات الانتحار تصل إلى درجات مفزعة، إذ شهد أسبوع واحد أكثر من أربع محاولات انتحار بعضها نجح والآخر تمكن الناس من إنقاذه، ثلاث من تلك الحالات في جنوب القطاع آخرها قيام شاب بحرق نفسه حتى الموت، وقبلها صعود شاب أعلى عمود للإرسال في مدينة غزة محاولاً الانتحار، وحالة أخرى لشاب شنق نفسه في منطقة زراعية.
وتحتاج هذه القضية الخطيرة إلى المراجعة، ووضع الحلول المناسبة من قبل أولي الأمر والمسؤولين، لأن معظم محاولات الانتحار قام بها من هم في مُقتبل العُمر، والتي تعتبر ظاهرة جديدة وغريبة على ثقافة الشعب الفلسطيني المناضل لنيل حريتهِ واستقلاله من الاحتلال الصهيوني.
أربعة أسباب
وأرجع أستاذ علم الفلسفة في جامعة الأزهر بغزة د. جمال أبو نحل قضية الانتحار لأربعة أسباب، أبرزها الاكتئاب العقلي، وهو المرض النفسي الذي يشعر بمقتضاه المريض أنه السبب في كل المآسي التي يعانيها، مما يجعله يعتقد بأن وضع حد لحياته سيضع حداً لتلك المآسي.
والسبب الثاني، يُعرف بـ«الاضطرابات الشخصية»، الذي يصيب شخصيات تعاني من الهشاشة النفسية عقب تعرضها لأزمة تعجز عن إيجاد حل لها، وهنا يفكر المنتحر في طريقة استعراضية ينهي بها حياته كي يلفت أنظار المجتمع إليه، لأنه يحمل هذا المجتمع مسؤولية ما آلت إليه أموره.أما السبب الثالث، فيعرف بين أطباء علم النفس بـ«فقدان العقل» الذي يدفع المنتحر لإنهاء حياته كي يلفت نظر الناس لقضية يتبناها ويريد أن ينتصر لها لدرجة تفقده عقله وتجعله يقرر إنهاء حياته، كما فعل البوعزيزي في تونس، والذي كان بمثابة شرارة ثورة الياسمين هناك في يناير 2011.
وأخيرا يأتي «الانتحار العاطفي» الذي يُقدم عليه أشخاص مروا بتجربة عاطفية مؤلمة، وتكونت لديهم قناعة نفسية بأن حياتهم انتهت مع انتهاء التجربة العاطفية.
بطالة وفقر
ويعتقد أبو نحل أن الحد من الانتحار في فلسطين عموماً وفي قطاع غزة خصوصاً يرتبط بضرورة تحقيق العدالة الغائبة في فلسطين وخاصة في القطاع، حيث إن الانقسام السبب الأساسي لتدمير مستقبل الشعب الفلسطيني، حيث دفع الكثير من الشباب للانتحار أو السفر عبر البحار ليلقوا حتفهم في رحلة المجهول، جراء البطالة المنتشرة انتشار النار بالهشيم، والفقر المدقع؛ وغياب العدل والظلم المنتشر في كل مكان.
وتابع «مجموع القضاة بغزة قليل جداً نسبةً إلى حجم القضايا الكثيرة، وأمام تلك المحاكم آلاف القضايا المُعلقة والتي تأخذ لحلها عشرات السنين بين مدّ وجزر وغالباً ما يكون صاحب الحق ضعيفاً إن لم يكن له سندّ قوي؛ أو (واسطة) قوية والعكس صحيح للظالم».
وأشار أبو نحل إلى أن بعض الموظفين العسكريين والمدنيين من أصحاب الرواتب البسيطة يمتلكون أموالاً طائلة، في وقت تجدّ فيه بعض الناس يلتحفون السماء ويفترشون الأرض ولا معيل ولا ناصر لهم إلا الله عز وجل، وهناك آلاف الخريجين الجامعيين عاطلون عن العمل، وعمال بلا عمل، وعوائل بلا كهرباء ولا غداء ولا كساء؛ وتجد ربّ أسرة لا يجد قوت يومه وما يسد به رمق عياله فيفكر بالموت أو الانتحار المرة تلو المرة؛ حتى يتخلص من العيشة المُرة.
عدالة غائبة
وأكد بأن العدالة غائبة ومُغيبة وأصحاب النفوذ والسلطان والأمراء وحكام الأمر الواقع يتغنوا بها، والبعض من المنتفعين ومن مصاصي دماء الشعب من الظالمين ينتصرون من خلال الطرق الالتفافية الملتوية أو المحسوبية أو الواسطة بسبب ظلم من بعض أفراد يعملون هنا أو هناك، ويستغلون نفوذهم وقوتهم، سواء كانوا في الأجهزة الأمنية أو المدنية أو التنظيم.
«ولو بقي الوضع في غزة هكذا حصار خانق ظالم ومُطِبق علينا ومحكم، مع جور ذوي القربى والبطالة والفقر المُدقع، وتنظيمات وأحزاب وفصائل كُلّ يغني على ليلاه من أعلى سلم الهرم، فغزة مقبلة على ظاهرة «انتحار نفسي» بسبب قهر اجتماعي، إزاء الأوضاع المتردية والمُتدهورة والصعبة والعقيمة والمأساوية جداً.
وأوضح أبو نحل أن هناك قاسمين مشتركين بين كل حالات الانتحار في غزة؛ الأول هو العوز والحاجة الشديدة والفقر المدقع والبطالة المنتشرة بين أوساط الشباب وانعدام الأمل وانسداد الأفق والرؤية المُظلمة للمستقبل؛ وإن الإنسان الفلسطيني لا يملك إلا كرامتهُ وبدون الكرامة يشعر بأن الحياة قد أصبحت مُهينة، وقد تحمل ذلك لسنوات الانقسام العجاف؛ لكنها وبعد تسع سنين قاحلات ضاقت بأنفُسِهم ذرعاً.
وأما القاسم الثاني فهو أن المنتحرين غالبيتهم من الشباب؛ وذلك لأن هذه المرحلة العمرية مرتبطة بتحقيق الإنجازات والأمل والتفاؤل لتحقيق الذات، فإذا ما عجز الشاب عن تحقيق كل ذلك أصبح عمره دافعاً مثالياً للانتحار.
مسؤولية
حمل أبو نحل طرفي الانقسام مسؤولية أخلاقية وإنسانية ووطنية ودينية أمام الله عز وجل، في كل النكبات التي مازالت مستمرة بسبب الانقسام؛ وكذلك تتحمل المسؤولية كل الأطراف الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ودولة الاحتلال العنصري وأوروبا، لأن قطاع غزة يحترق ويختنق ويموت ويتنفس من خُرم إبرة.
