لا تبدو مستبعدة رغبة الرئيس السوري بشار الأسد التشبث بالسلطة، رغم كل الظروف المعقدة، وقد أكدت معلومات صحافية وسياسية روسية مطلعة تفاؤله واستعداده للمضي في القتال حتى الرمق الأخير.
وتشير الترجيحات إلى تعويل الأسد على ولاء الطائفة العلوية، التي يمكن أن تواجه مستقبلاً كئيباً في حال كانت الطرف الخاسر في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا. وربما كان لا يزال يؤمن بأن الغرب يعتبر نظامه أهون الشرور مقارنة بحكم «داعش»، وأنه سيتركه وشأنه، إلا أن ذلك يبدو محاولة لزيادة المخاطر.
وكشفت معلومات صحافية، أخيراً، عن زيارة قام بها رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي إيغور سيرغون إلى دمشق، في محاولة لإقناع الأسد بالتنحي، وبدت هذه الخطوة، إذا صحت، أشبه بالاستفزاز، لأنها تعطي صورة سلبية عن روسيا.
روسيا ومفاتيح الحل
أمعنت موسكو، في الفترة الأخيرة، في محاولات إقناع المجتمع الدولي بأنها تملك مفاتيح حل الأزمة السورية، في حين أن جميع المفاوضات السابقة تؤكد أن نقطة الخلاف الوحيدة تتمحور حول مصير الأسد.
وفي هذا الإطار تملك كل دولة أجندتها الخاصة، فبعض الدول العربية تبدو باحثة عن مخرج مشرّف من الصراع المكلف طويل الأمد ذي العواقب غير المنظورة، أما روسيا، في وضعها المتأزم الحالي، فتحاول حصد الأرباح السياسية، بمعنى أن الأطراف مجتمعة تبحث في صيغة تجعلها تبدو في موقع المنتصر.
وتجسد استقالة الأسد لبعض المراقبين رمزاً للنجاح، في حين يهتم بعضهم الآخر بأن تبدو الاستقالة طوعية وطبيعية قدر المستطاع. وقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكبار المسؤولين الروس في أكثر من مناسبة بأن تنحي الأسد قد يأتي نتيجة حصول انتخابات رئاسية.
وفي حين يمكن تفسير ظاهر تلك التصريحات على أن موسكو لا تعارض إجراء تغيير في السلطة، شريطة حصولها بطريقة متحضرة تأخذ بعين الاعتبار مصالح الطبقة السياسية الحاكمة حالياً، إلا أنها تشير إلى تلميح الكرملين الحذر بأن الأسد لن يبقى في السلطة.
موسكو وتحركات الأسد
تشير مصادر إعلامية إلى يقينها بأن الأسد لن يستسلم، بل إنه يحاول ابتزاز موسكو، بمعنى أنه يظهر بموقع الضامن لمصالح روسيا في البلاد، ويرغب في استغلال الأمر لصالحه، متناسياً أن روسيا اليوم غير الاتحاد السوفييتي ولا مصالح لها طويلة الأمد في سوريا، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي أو الاقتصادي.
ويبذل الكرملين حتى اليوم مساعي تحاول إقناع الأسد بالتنحي عن السلطة طوعاً، والظهور بصورة الرئيس الذي أنقذ بلاده من براثن «داعش»، وإلا فإن بوتين يملك من الأدوات ما يكفي للضغط على الأسد، إذا دعت الحاجة.
لم ينس العديد من مناصري الأسد سلوكه المستهتر إزاء أحداث درعا عام 2011 حين أذكت السلطات نار الأزمة، واختارت قمع احتجاجات المواطنين الغاضبين، بدلاً من البحث عن حل سلمي. وإذا رأى المقربون من الأسد أو كبار ضباط الجيش أن تعنته يقف عائقاً أمام الحل الفعلي للصراع..
فمن المرجح أن يدبروا انقلاباً، غير أن تلك السيناريوهات لا تزال غير واردة كثيراً، في المرحلة الراهنة، في ظل تقارير تشير إلى أن رحيل القوات الجوية الروسية ليس بالأمر الوشيك، بل وخلافاً لذلك فإن روسيا تبحث سبل توسيع نطاق حضورها العسكري، حيث تسعى تحديداً لافتتاح قاعدة جوية أخرى على مقربة من الحدود التركية.
أما الأسد، الذي لا بد يدرك دوافع اللاعبين الآخرين تماماً، فيتجه للتعويل بأقصى قدر ممكن على الورقة الأساسية بين يديه، ألا وهي الاستقالة. وها هو العالم يشهد اليوم جولة أخرى من المقايضات، التي تتمحور حول سؤال لا يتعلق بتنحي الأسد من عدمه، بل بكيفية إتمام الخطوة وموعدها النهائي.
حسابات
إذا توقفت المفاوضات في مرحلة تصب في صالح الأسد، فستغادر القوات الجوية الروسية اللاذقية بالسرعة التي أتت بها، إذ إن إنفاق المال والموارد على مشروع لا مردود سياسي له ليس وارداً، كما أن التخلي عن الأسد كونه سلعة سياسية قد يثبت جدواه، لذا فإن الأسد باتخاذه موقفاً غير بناء يخاطر بخسارة دعم روسيا، بما لا يتيح له إلا طرق باب إيران، التي تعتبر هزيمة الأسد انتصاراً للأطراف المعادية في المنطقة.
ولا يبدو ضرورياً في ظل هذه التطورات، اتخاذ خطوات كبيرة كسحب الجيش الروسي، حيث إن القادة العسكريين السوريين عرفوا معنى النصر بدعم جوي روسي، ومن غير المرجح العودة لقتال «داعش» بمفردهم اليوم.

