«أشباه بيوت» متلاصقة ببعضها، أطلال عفا عليها الزمن، تعطيك انطباعاً بأن الحرب الأهلية وضعت أوزارها للتو، تحارُ من أين تقرب محلّة الجناح القائمة في قلب بيروت، وتحديداً في البقعة الجغرافيّة الممتدّة على الطريق البحري منها والمتاخمة لمحلّة الأوزاعي، يذيع صيتها في الأزمنة الصعبة، في أحياء وزواريب تضمّ خليطاً من المتناقضات، ما يجعلها أقرب إلى «قنبلة موقوتة».

أمِن طارق، ابن السنوات الستّ، وقد أغرته المياه المتدفّقة من إحدى قنوات الصرف الصحّي، على بعد خطوتين من «الدار» التي تقطنها عائلته، بـ «اختراع» وسيلة للعب مع أولاد الحيّ؟.. أم من الطبيعة التي وحدها تقلب الزمن على هذه البقعة الجغرافية عبر فصولها، وهي اليوم تغرقها في كرم البحر الذي لا تتردّد أمواجه في اقتحام «أشباه» المنازل، ومن دون أي استئذان؟.. أم من خالد الذي فاجأته، في ليلة من الليالي، القنوات التلفزيونيّة التي تغيرت من تلقاء نفسها.. صدِم في البداية، إلا أنه استدرك أن جاره هو الفاعل، لكن عن غير قصد، إذ إنه لتلاصق «البيوت» ببعضها البعض، بات من البديهي أن يقع «مكروه» كهذا، وتصبح لـ «الريموت كونترول» قوّة خارقة للبيوت ومتعدّدة الأجهزة.

حرمان

أكثر من فقر وأصعب من حرمان في بقعة يصحّ وصفها بأنها خارج حدود الحياة.. نحو 2500 عائلة لبنانية، إضافة إلى المئات من الأكراد والسوريين والفلسطينيين والآسيويين، تعيش في «زواريب» هذه البقعة الجغرافيّة الصغيرة، والتي لم يخفِ الفقر وجهه فيها أمام غنى منطقة «الجناح» وعراقتها.. فعندما تسلك الطريق البحري، تدخل في عالم آخر: بيوت «التنَك» والخشب تتزاحم.. أولاد يركضون حفاةً بثيابهم العتيقة، يتحمّلون وِزْر هجرة أهلهم من مناطق لم يعد باستطاعتهم العودة إليها، رغم أنهم يمتلكون أوراقاً رسمية تثبت ملكيتهم لمنازل «هناك».

مخلوقات دخيلة

هو الدخول في العدم بقلب بيروت، أحياء لم يحسَب لها حساب حتى الآن على خريطة الوطن، وكأن سكّانها ليسوا بشراً، بل مخلوقات فضائيّة دخيلة.. مداخل البيوت متشابهة، بل وحتى زواريبها التي لا يتعدّى عرض الواحد منها المتر، على أبعد تقدير.. «أشباه» غرف تضمّ كل واحدة منها ما بين 6 و10 أشخاص، يعيشون بـ «الموجود»، وسقوف «الزينك» لا تقي أغلبهم قيظ الصيف وأمطار الشتاء.. جبل من النفايات يتوسّط بيوتهم المطلّة على البحر، وعند الجهة الأخرى، تصبّ «مجارير» الضاحية الجنوبية لبيروت بكاملها.. حبال صغيرة لنشر الغسيل، كاراج هنا، ودكان هناك.. أسلاك كهربائية متشابكة ببعضها البعض تسبح في الفضاء، وتحجب القليل من أشعة شمس النهار. جميعها موزّعة بشكل عشوائي، ودون أبسط قواعد التنظيم، فيما الخبرة التي اكتسبها سكان هذه المنطقة على مدى سنوات، أتاحت لهم التعامل بسلاسة مع هذه الأسلاك الموزّعة بين عشرات الأنواع والألوان والأشكال.

جمهورية مستقلّة

إنها «جمهورية الجناح» المستقلّة، بتجاوزات «قبضاياتها المدعومين»، والتي باتت علامة فارقة عبر «وزرائها الجُباة»، بمعزل عن كونها تقع ضمن دائرة سيطرة مخفر محلّة الأوزاعي، التابع لفصيلة الضاحية الجنوبية لبيروت، ولكون الواقع يؤكد أن هذه المنطقة «كوكب» آخر مختلف، وليس خاضعاً لا لسلطة المخفر المشار إليه، ولا إلى أي سلطة «شرعية» أخرى.. أحد هؤلاء، ينادونه «حمّودي»، يلعب في المنطقة دور «الوزير» المهتم بأمور الكهرباء و«جابي مؤسّسة الكهرباء»، التي يترأسها هناك في الوقت عينه.. يفرض «معاليه» رسماً شهرياً على كل منزل أو غرفة سكنيّة.. ومن لا يدفع، يمنع عنه التيار الكهربائي، بكل بساطة، على اعتبار أنه هو «القانون والدولة وشركة الكهرباء»، كما يردّد.. أما شقيقه الأصغر، فهو بمثابة «وزير الأشغال» في الحيّ، يتقاضى بدوره 500 دولار عن كل غرفة يتمّ بناؤها (على أرض الغير بالطبع)، ويُشاع أنه يتمتع بعلاقة طيبة مع الدرك في المخفر غير البعيد.. من جهته، يقبض المدعو «أبو زياد» على مقاليد ما يمكن اعتباره «وزارة المياه»، فيفرض من جهته رسماً على كل منزل، لقاء تزويده بالمياه من بئر موجودة أصلاً في المنطقة.

«حريق وغريق».. وانتخابات

وبين التنَك والخشب، فإن مياه البحر تختار كليهما لتزيد المأساة.. في الشتاء، وعندما تشتدّ العواصف، تعلو الأمواج وترتطم بالبيوت وتجرف معها الثياب والفُرْش والأدوات المنزلية وغيرها من الأغراض، وما بيد «المعتّرين» حيلة سوى زيادة الخشب وإخفاء التشوّهات قدر المستطاع.. وفي المحصّلة، فإن شيئاً واحداً لا يتغيّر في «أجندة» قاطني هذه البقعة «التعيسة»: في الصيف حريق، وفي الشتاء غريق.

ما إن تطأ قدماك هناك، حتى تُدرك أن السياسة تسرّبت بطريقة أو بأخرى إلى بعض البيوت، وحرمت أصحابها من المساعدة التي تقدَّم على سبيل تعويضات.. فالحيّ يشهد ازدواجية سياسية، وعندما يحلّ موسم الانتخابات النيابية، ترى «السياسيّين» يتسابقون هنا.. «واحد جايي وواحد رايح»، وفق تعبير وليد (27 عاماً)، والذي لا يتردّد بوصف «ضيوف المواسم» قائلاً بأسى: «يأتون وعلى وجوههم ضحكات صفراويّة، وفي أفواههم عبارة واحدة حفظوها عن ظهر قلب: «إنتو أهلنا.. كل واحد بيقول بكرا.. بيحكوا كتير وبيوعدوا كتير وبيفلّوا.. بس نحنا ما منصدقهم لأنهم مش صادقين.. ولحدّ هلأ، الجنوب رجِع والكرنتينا ما رجعِت».

%60

أعلن الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان أن 28% من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر الأعلى، 60% من سكان المدن يعيشون في مناطق فقيرة، وأن هناك 300.000 لا يستطيعون تلبية احتياجاتهم الغذائية. ما يعني أن برامج التنمية الاجتماعية، تقتصر فقط على فئات معينة.