في الوقت الذي تبزغ فيه وقائع زواج القاصرات بالمجتمع المصري، فإن جهودًا واسعة تقوم بها الدولة المصرية لمواجهة ذلك الأمر، سواء بتشريعات أو إجراءات مغلظة، من بين تلك الجهود هو اعتماد وزير العدل المستشار أحمد الزند إلزام الأجنبي طالب الزواج من مصرية بتقديم شهادة استثمار ذات عائد مادي بمبلغ 50 ألف جنيه باسم طالبة الزواج المصرية إذا بلغ فارق السن بينهما 25 عامًا.
ورغم الجدل الدائر حول القرار، إلا أن الكثيرين رأوه إجراء يناهض زواج القاصرات بتغليظ الإجراءات على زواج صغار السن.
ومن بين جهود الدولة المصرية، قرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سحب تحفظ مصر على الفقرة الثانية من المادة رقم 21 من الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل، وهي الخاصة بتحديد سن الزواج للأطفال.
خاصة أن مصر ظلت متحفظة على هذه المادة ما يزيد على 25 عامًا لتعارضها مع نصوص القانون المصري الذي كان يحدد سن زواج الفتاة في وقت سابق بـ 16 عامًا قبل أن يتم تعديل القانون ليحدد سن زواج الفتاة عند 18 عامًا.
قوانين
ومن جانبها، قالت خبيرة حقوق الطفل وعضو اللجنة الاستشارية بجامعة الدول العربية د. سمية الألفي إن الخطوات المصرية تعتبر نقلة نوعية في مجال حقوق الأطفال في مصر، فبمقتضى توقيع مصر على الميثاق الأفريقي سيكون عليها أن تنهي ظاهرة زواج القاصرات والتصدي لها.
موضحة أن هناك إجراءات لا بد أن يتم اتخاذها لتنفيذ تلك المادة، منها تغليظ العقوبات على المتجاوزين في تزويج بناتهم أقل من السن القانوني 18 عامًا، وتجريم أي نوع من الارتباط الرسمي سواء كان زواجًا أو خطبة، كما أنه لا بد من شن حملة توعية كبيرة تستهدف الأهالي لتوعيتهم ضد مخاطر تلك الزيجات على نفسية ابنتهم.
22 %
وكشفت إحصائية حديثة للمجلس القومي للأمومة والطفولة بمصر أن نسبة زواج القاصرات في مصر تبلغ 22 في المئة وأن هؤلاء الفتيات يتزوجن قبل أن يبلغن الـ 18 عاماً، رغم تجريم قانون الطفل لهذه الظاهرة.
حالة
وتقول إحدى الفتيات التي تم إجبارها على الزواج في سن صغيرة تدعى (ن.ح)، إنها تتذكر جيدًا ذلك اليوم الذي وافق فيه والدها على تزويجها بأحد أثرياء المنطقة الذي كان يكبرها بأكثر من 40 عامًا، فكان الأمر أشبه بصفقة البيع والشراء لأي شيء مادي وليس نفسًا بشرية من حقها أن تعيش حياتها باختياراتها الحرة.
موضحة أن السنة الأولى من الزواج مرت عليها كئيبة ومرهقة، فلم تكن تعلم من أمور الزواج شيئًا، كما أن زوجها أجبرها على خدمة زوجته الأولى في كافة المهام الشاقة الخاصة بتنظيف المنزل أو تربية أولادهم، حتى توفي والدها.
وتابعت أن وفاة والدها كانت بمثابة خط فاصل في حياتها، فقد شعر زوجها أنها لم يعد لها أحد يدافع عنها، فبدأ في ضربها وسبها وإهانتها بكافة الوسائل، حتى وصل الأمر إلى تعذيبها جسمانياً، وبعد سنوات قليلة عاشتها في هذا الألم المتواصل عاد أحد أقاربها من الخارج وكان رافضًا لكل ما يحدث لها وساندها في حقها في طلب الطلاق.
إلا أن زوجها كان يرفض تطليقها بشدة، حتى استعان قريبها بأحد ضباط الشرطة الذي ساندهما في مواجهة هذا الزوج المستبد، وبالفعل تم تطليقها، مستطردة أن هذا الحدث كان الأكثر بهجة في حياتها، بعدها التحقت بفصول محو الأمية لتستكمل تعليمها، وهي الآن تدرس في مرحلة الثانوية العامة، وتعمل إلى جانب الدراسة، وتطمح للالتحاق بكلية الإعلام لتكون مذيعة تليفزيونية كما حلمت في صغرها.
انعكاس
يقول استشاري الطب النفسي بالقاهرة د. خليل فاضل إن زواج الأطفال لا يؤثر على صحتهم النفسية فقط، وإنما كذلك يؤثر على نظرتهم للحياة وتعاطيهم معها، خاصة أنهم تعرضوا لأكبر جريمة يمكن أن تمارس ضدهم وهي سلب حقهم في عيش مرحلة الطفولة بأمان، ودون تحميلهم أي أعباء جسدية أو اجتماعية أكبر من طاقاتهم وقدرتهم على تحملها.
