مع بداية كل منخفض جديد في فصل الشتاء تتجدد معاناة سكان الكرفانات في حي خزاعة شرقي مدينة خانيونس، نتيجة الأمطار والسيول والبرد الشديد الذي يضرب غرفهم المصنوعة من حديد، ليولد فيهم الأمراض والأوجاع مع بداية المنخفضات الجوية.
الحاجة ام محمد التي تبلغ من العمر(63 عاماً) هي واحدة من مئات السكان الذين يعيشون فى الكرفانات، مقابل منازلهم التي هدمها الاحتلال الإسرائيلي في عدوانه الأخير على قطاع غزة.
نظرات الحسرة والألم لا تفارق عينيها، وتجاعيد وجهها ترسم معاناة سنوات طويلة في حياتها، ففجرت سكوتها بكلمات وصرخات قائلة: «هدم منزلي المكون من خمسة طوابق واستشهد أبنائي وحفيدي، ودمرت محاصيلي، ونهايتي الجلوس داخل كرفان يتحول إلى ثلاجة موتى في الشتاء وفرن حراري في الصيف».
وتتابع بغضب«نعيش في وضع صعب جداً ومأساة، أنا وأبنائي وأحفادي وجيراني بعد هدم الحي بالكامل، وننتظر وعودا كاذبة منذ سنة ونصف ببناء منازلنا، ولكن يبدو نهايتنا الحقيقة ستكون داخل الكرفانات، وخرجنا من قلب الموت في الحرب إلى موت حقيقي في الكرفان».
هدم الآمال
أم محمد كانت تزرع وتحصد وتحتفظ بمحاصيلها الزراعية في منزل خاص بها، ولكن آلة الحرب الإسرائيلية لم تبق لها أي بصيص أمل للحياة بعد هدم كل أحلامها وآمالها وقتل أبنائها.
وفى كل صباح تخرج لتجلس في الشمس بعدما اكتسى جسدها النحيل البرد القارص طوال الليل، ووصفت حياتها ومعيشتها داخل الكرفان بانها إهانة لها ببقائها بداخله، ولكنها تعيش فيه لقلة الموت والحيلة.
وكتب أحد أحفادها على الكرفان: ثلاجة موتى، بعدما قضى ليلة كاملة بحالة إعياء شديد تطلب نقله للمستشفى، ومغادرته في ساعات الصباح بعدما سيطر الأطباء على أوجاعه، لكن حالته ستتكرر كثيراً وخاصة أن فصل الشتاء في بدايته.
وتجلس أم محمد أمام كرفانها برفقة جاراتها كل يوم، وتقول: «وافقنا على استلام الكرفانات كحل مؤقت وسريع لحين بناء منازلنا، ولكن الأمراض تنهش بنا صيف شتاء والآلام تتمكن من أجسادنا ومنازلنا بدون بناء والموت مصيرنا إذا استمررنا على هذه الحال».
واستلم سكان حي خزاعة بعد الحرب الأخيرة على غزة ما يقارب 27 كرفاناً كبديل مؤقت، وتبلغ مساحة الكرفان 30 متراً، وتشمل غرفة نوم صغيرة وغرفة إضافية وحماماً ومطبخاً، في حين وصل عدد أفراد بعض الأسر داخل الكرفان الى عشرة.
أما باسم النجار (41 عاماً)، أحد سكان هذه الكرفانات، فيقول: «تجهيزاتنا لموجة البرد والصقيع هي صفر لعدم وجود كهرباء او دفايات، ونضطر لإشعال النيران أمام المنازل».
وأشار النجار أن أحد الكرفانات حرقت بالأمس بعدما اشتعلت فيها النيران، التى اشعلها سكان الكرفان لتخفيف حدة البرودة بداخله، إلا أنه حرق المنزل بالكامل منتصف الليل ونجت الأسرة بأعجوبة من الحريق.
وأضاف النجار: «سمعنا وعوداً منذ عام ونصف بإعادة بناء منازلنا، وما زلنا ننتظر، فحياتنا جحيم صيفاً وشتاء، والكرفانات في الشتاء قاتلة وأشبه بفريزر متجمد، واضطررت للنوم بالجاكيت ليلة امس لأشعر بالدفء، وتغطية أطفالي بثلاثة أنواع من الأغطية ليتمكنوا من النوم».
وجرفت السيول الشتاء الماضي بعض الكرفانات وسحبت الرمال من أسفلها، ما أدى لخراب اغلبها لوجود الكرفانات في منطقة منخفضة، بالإضافة لتماس كهربائي وحرائق نتجت عن ذلك.

