في وقت لا تزال فرنسا تحت وقع صدمة اعتداءات باريس، سجل حزب الجبهة الوطنية بزعامة ماري لوبان في الدورة الأولى نتيجة قياسية جديدة بحصوله على 28% من الأصوات، متقدماً على حزب الجمهوريين، أكبر أحزاب المعارضة اليمينية وحلفائه الوسطيين (27%.).
اما الحزب الاشتراكي بزعامة الرئيس فرنسوا هولاند، فحل في المرتبة الثالثة (23,5%.). وحصلت كل من مارين لوبان وماريون ماريشال لوبن على أكثر من 40% من الأصوات كل في منطقتها.
عندما حدثت الهجمات الإرهابية الأخيرة في باريس، تعالت أصوات كثيرة تتوقّع أن يتّجه الفرنسيون أيديولوجياً باتجاه لوبان وحزبها المتطرّف، كتتويج لمنحنى بدأ يتصاعد مع ارتفاع نغمة الإرهاب التكفيري في مناطق عديدة من العالم.
الحروب الأهلية والتدمير الذي لحق ببعض الدول العربية وما نتج عنه من موجات هجرة واسعة من هذه الدول إلى الدول الأوروبية، وبخاصة فرنسا، وتبيّن أن من بين الإرهابيين عناصر قدمت من سوريا والعراق، كل ذلك منح نوعاً من المصداقية للخطاب السياسي والإعلامي لماري لوبان التي تتهم قادة فرنسا بعدم الفاعلية في مواجهة الإرهاب، وبسوء التعاطي مع الحراك في بعض الدول العربية، والذي أفضى إلى تقوية الجماعات المتشددة، وابتعد لما هو نقيض أي مسار ديمقراطي.
بديل للسلطة
من الواضح أن اليمين المتطرف الفرنسي غداة تقدمه التاريخي في الدورة الأولى من انتخابات المناطق، قدّم نفسه في موقع قوة كبديل للسلطة الحالية ملقياً بثقله وراء زعيمته مارين لوبان ليقرّبها من قصر الإليزيه أو يوصلها إليه في الانتخابات الرئاسية عام 2017.
رئيسة حزب الجبهة الوطنية مارين لوبان قالت بعد حصول حزبها على المركز الأول في الانتخابات الأخيرة «أعتقد من جهتي ان الفرنسيين يرغبون في إعطاء فرصة للجبهة الوطنية». وقال النائب عن الجبهة الوطنية جيلبير كولار «لدينا الآن فكرة عما ستكون وطأة الموجة. أعتقد أن مارين ستصل الى السلطة... وسيأتي يوم يكون لنا فيه امرأة رئيسة للجمهورية».
ليس جديداً
حزب الجبهة الوطنية ليس جديداً على المشهد السياسي في فرنسا بقدر ما يعبِّر عن قناعات ونزعات نسبة هامة من شرائح فرنسية متزايدة، على ما يبدو. فالانتخابات الأخيرة أدخلتْ حزب ماري لوبان ابنة السبعة والأربعين عاماً مرحلة غير مسبوقة.
وأياً تكن نتائج الدور الثاني فإن ثمّة اختراقاً لحاجز نفسي يجعل حزب لوبان قوة سياسية رئيسية بل يمكن القول إن هذه النتائج بمثابة رافعة للوبان باتجاه قصر الإليزيه، ذلك أن الحزب الذي كان يبدو منبوذاً وتهاجمه الصحافة ويتعرض قادته للمحاكمات، بات رقماً صعباً في المشهد السياسي الفرنسي.
هذا الحزب الذي أسسه المظلّي السابق جان ماري لوبان والد زعيمته الحالية، معروف بمعاداته للمهاجرين في فرنسا بشكل عام وللمسلمين، وللجزائريين الذين حاربهم لوبان الأب، وسبق له أن اعترف عند استقلال الجزائر عام 1962: «ليس لديَّ ما أخفيه، لقد مارسنا التعذيب، لأنه كان ضرورياً». وقد مارسه هو ذاته. وبعد تفجيرات باريس الأخيرة خرج بتصريح طالب فيه بقطع رؤوس «الجهاديين».
رسالة
قبل عام من الآن تقريباً منعت ماري لوبان من حضور مسيرة الزعماء الخمسين في شوارع باريس، التي جرى تنظيمها ضد الإرهاب إثر حادث شارل إيبدو الإرهابي في باريس. وكان ذلك المنع رسالة فرنسية فحواها أنه لا يجوز لزعيمة موسومة بالتطرف أن تشارك في مسيرة ضد إرهاب دبّره ونفّذه التطرف، وإن كان موقعا التطرف مختلفين.
في ذلك الوقت حصد حزب لوبان 23 مقعداً في البرلمان الأوروبي. ورغم رفضها لهذا البرلمان من حيث المبدأ، إلا أنها دخلته للتأثير فيه، بالتناغم مع نظرائها من اليمين المتطرف في بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى. ومستغلّة الاعتداء على صحيفة شارل ايبدو، اقترحت المحامية الشابة تشكيل تحالف موسّع لأحزاب اليمين المتشدّدة في كل أوروبا.
في الحقيقة وعلى نحو معلن، ترى لوبان أن بقاء فرنسا عضواً في الاتحاد الأوروبي يشكّل خطراً أمنياً ويمس بسيادتها، لأنه حسب رأيها يسمح بتدفق الأسلحة بسبب اتفاقية الشنغن، ويبقي حدودها مفتوحة أمام مئات المتطرفين «الإسلاميين» للتنقّل بحرية عبر دول الاتحاد.
ولذلك فإن لوبان تطالب بقوانين صارمة تحمي سيادة فرنسا، وتضغط من خلال علاقات حزبها مع النازيين الجدد في أنحاء متفرقة من أوروبا للتراجع عن الوحدة الأوروبية، وتطالب بفرض قوانين إدماج للمهاجرين.
