خطرٌ داهم يتهدّد الأطفال في كل الدول العربية ولو بنسب متفاوتة ودوافع متباينة، إذ لا يختلف اثنان على أنّ ظاهرة الاختطاف التي أطلّت برأسها ودون سابق إنذار ممثّلة أحد أكبر التحدّيات للقانون ولاستقرار الأسر والعائلات، أمرٌ قضّ المضاجع وأرّق الأجفان.
ويتصدّر مسبّبات ظاهرة اختطاف الأطفال الاستغلال الجنسي وطلب الفدى المالية والتجنيد في تشكيلات إرهابية، فيما تسبّب الاضطراب الأمني في بعض الدول في تفشّي الظاهرة وتوفير مناخ يساعد على تمدّدها بما يهدّد السلم الاجتماعي، ويمثّل تحدياً كبيراً لسلطة الدولة وهيبة القانون.
وسنّت الكثير من الدول تشريعات وعقوبات بعضها رادع والآخر ربما يحتاج تشديداً أكبر، ففيما تصل عقوبة مختطفي الأطفال في بعض الدول إلى حد الإعدام، تكتفي أخرى بالسجن المشدّد من شهور إلى سنوات عدّة مع الغرامة، الأمر الذي لا يرضي طموح جمعيات حقوق الطفل الوطنية والإقليمية والدولية.
ولعل أحد التحدّيات الكبرى في قضيّة اختطاف الأطفال هو تفضيل أهل الطفل المختطف وفي الكثير من الحالات عدم إبلاغ السلطات وإبقاء الأمر طي الكتمان ما أمكن، والتفاوض سرّاً مع الخاطفين، سواء كان ذلك الأمر وفق رؤيتهم الخاصة أو بإيعاز من الخاطفين الذين يهدّدون غالباً بإيذاء الطفل حال إبلاغ السلطات.
الخطف يكمل دائرة الانهيار الأمني في العراق

«تعددت الجهات والخطف واحد».. هذا ما ابتُلي به العراق منذ الغزو الأميركي في العام 2003، ولا ضوء يلوح في نهاية النفق، ولاسيما ما يتعلق بخطف الأطفال، لأسباب كثيرة، يصعب حصرها، منها الدافع الطائفي، أو الابتزاز وطلب الفدية، او استغلال المخطوفين لأغراض التسول، أو الاتجار بالأعضاء البشرية، أو الثأر والانتقام، لكن القاسم المشترك الانفلات الأمني، وتردي الوضع الاقتصادي والسياسي وفقدان هوية الدولة.
ومع بداية العام الدراسي الجديد في العراق، تفاقمت مشكلة خطف الأطفال، لتتزامن مع المخاوف من انتشار وباء الكوليرا، واستمرار مسلسل العبوات الناسفة والسيارات المفخخة، وأصبح القلق يسيطر على الجميع، هيئات تدريس وأولياء أمور، مع ظهور تقارير دولية تشير إلى ازدياد حالات الخطف خلال العام الجاري.
ويتفق الجميع على أنّ هشاشة الوضع الأمني، وعدم قدرة الأجهزة الأمنية على وضع حد لحالات الخطف، والغموض الذي يحيط بنتائج التحقيقات، وعدم معرفة العقوبة التي تصدرها المحاكم بحق الخاطف، كلها جعلت العائلات تلجأ إلى عدم ترك أبنائها للأقدار.
تأزّم أمني
ووفق منظّمة اليونيسف فإنّ عدداً من الأطفال قتلوا لأنهم على ما يبدو تعرفوا إلى خاطفيهم وأطلق سراح آخرين بدفع فدى، فيما تفيد تقارير دولية بأن حالات خطف الأطفال في العراق ظهرت ..
وتفاقمت بعد الغزو الأميركي وهي الآن في تصاعد مستمر، مع ازدياد التأزم السياسي والانتشار غير المسبوق للميليشيات بادعاء الانتماء إلى الحشد الشعبي، الذي يفترض ان يكون في جبهات القتال وليس الانتشار في المدن.
ويشير تقرير صدر عن منظمة حقوق الإنسان العراقية إلى أنّ آلاف الحالات المتعلقة باختطاف الأطفال حصلت في العراق منذ الغزو، فيما تعرض نصف المخطوفين إلى القتل، ولم يتم إنقاذ إلا ما تبلغ نسبته 10 في المئة من الأطفال المخطوفين.
استفحال
ويعتقد مراقبون أنّ «من أسباب انتشار ظاهرة خطف الأطفال تركيز الأجهزة الأمنية على حوادث التفجيرات وإهمالها جرائم الخطف»، محذّرين من استفحال الظاهرة سيؤدي إلى خلل خطير في المؤسسة التعليمية وربما غيرها.
ويؤكد هؤلاء المراقبون ضرورة تشديد العقوبات على مرتكبي جرائم الاختطاف إلى أقصى حد ممكن، وإطلاع الرأي العام عليها وعلى مرتكبيها، حتى لا تبقى أعين العراقيين تدور حول صور لأطفال مفقودين، ملصقة على أعمدة الإنارة والحواجز الإسمنتية في الشوارع.
جريمة إرهاب
بدوره، يقلّل مسؤول في مديرية الأدلة الجنائية بوزارة الداخلية، من شأن هذا النوع من الجرائم، ويرجح خطف الأطفال لغرض الحصول على فدى من قبل عصابات منظمة، مشيراً إلى القبض على عدد كبير من هذه العصابات وإحالة المنتمين إليها للقضاء الذي قام بمحاسبتهم وإصدار أحكام بحقهم انتهت بعضها بالإعدام، بسبب إدراج جرائم الخطف ضمن قانون مكافحة الإرهاب.
ويؤكّد المسؤول أنّ «ما يحدث ليس إلا فقرة في برنامج الإرهاب الذي تمارسه الجماعات المسلحة لزرع الرعب في صفوف العراقيين، وزعزعة ثقتهم بوجود أجهزة أمنية حكومية يمكنها حمايتهم».
تقصير أمني
في المقابل، يتهم المحامي كريم العامري الشرطة بالتقصير طالما يستغل المسلحون عدم ثقة السكان بالشرطة لابتزاز الأسر دون خوف من العقاب، مؤكداً عدم قدرة الأجهزة الأمنية على تحرير أي طفل ما دامت الثقة مفقودة بينها وبين العراقيين.
ويلقي طبيب الأطفال علاء السوداني باللائمة على الأجهزة الحكومية بالضلوع في مثل هذه العمليات الخطيرة، ما دامت العصابات لا تخشى شيئا وتساوم العوائل على دفع فدى كبيرة بشرط عدم إبلاغ الجهات المختصة ثم تقتل أطفالهم وتضعهم قرب منازلهم في أكوام النفايات أو براميل الماء دون خوف من أحد، كما حدث في جريمة خطف طفلة في منطقة الغزالية، بينما تملأ نقاط التفتيش الأحياء بأعداد كبيرة، مشيراً إلى وجود أسباب طائفية.
ويعلل السوداني ذلك بالانتشار الواسع للميليشيات الطائفية في المدن والاحياء السكنية وهي لا تخشى الأجهزة الأمنية، بل العكس هو السائد.
ليبيا حاضنة الظاهرة وأرضها الخصبة

أمرٌ طبيعي ومن يوميات الليبيين أضحى اختطاف الأطفال، كلّ يوم يستيقظون على أخبار عن اختطاف طفل في مدينة وتحرير آخر في أخرى، والعثور على جثّة ثالث ملقاة على قارعة الطريق، فيما تتباين أسباب الاختطاف ما بين الضغط على ذوي الأطفال وطلب الفدى المالية وإن كانت الأخيرة الأكثر شيوعاً في ظل أوضاع أمنية مضطربة تظلل المشهد كله.
تروي إحدى الحكايات وما أكثرها عن اختطاف مجهولين في مدينة بنغازي الطفل رضوان محمد المزوغي ابن رئيس تحرير صحيفة الكلمة من أمام منزل أسرته، بعد تلقّي والده عدة رسائل تهديد على خلفية ترؤسه لإدارة تحرير الصحيفة التي يعمل من خلالها على نشر الحقائق للمواطن الليبي.
حكاية أخرى نشرت تفاصيلها صفحة المجلس المحلي لمدينة طبرق، جثة طفل من بنغازي عثر عليه في وسط القمامة مقتولاً بطعنات نافذة في ظهره، وتبيّن أنه تعرض للخطف ثم القتل بدم بارد من قبل عصابة مسلحة.
ويعضّد من هذا الرأي تصريح بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن المجموعات المسلحة مسؤولة عن اختطاف المدنيين بمن فيهم القصر بسبب أصولهم أو آرائهم أو انتماءاتهم العائلية أو السياسية الفعلية أو المتصورة، فيما يتعرّض المختطفون عادة لخطر التعذيب والمعاملة السيئة وكثيراً ما يحرمون من الاتصال بعائلاتهم، بينما توفي بعضهم أثناء الاحتجاز..
وقد يتم الإعدام دون محاكمة أو تعذيبهم حتى الموت. ويلفت المراقبون إلى أنّ جرائم الخطف والاعتقال على الهوية التي لا تزال الميلشيات الخارجة عن القانون تمارسها طالت الأطفال، وأن السجون السريّة يوجد بها عشرات الأطفال الذين يتعرضون لشتى أنواع التعذيب والاستغلال الجنسي.
ارتفاع معدّلات
إلى ذلك، أعربت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا عن إدانتها واستنكارها لتصاعد الاختطاف والإخفاء القسري للمدنيين لاسيّما الأطفال بدوافع الابتزاز المالي وعلى أساس الهوية الاجتماعية التي طالت الأطفال والشيوخ والنساء والأجانب الذين يقدمون خدماتهم للمواطنين، من قبل المجموعات المسلحة المسيطرة على طرابلس.
وأكدت اللجنة أنّ عمليات الاختطاف والاختفاء القسري للمدنيين في طرابلس شهدت ارتفاعا في معدلاته بدافع طلب الفدية من أهالي المخطوفين التي بلغت ملايين الدنانير نتيجة حالة انفلات أمني غير مسبوقة ترجمت إلى استهداف مباشر للمدنيين من خلال عمليات خطف وقتل وسرقة، تعد انتهاكا صارخا وممنهجا للقانون الدولي الإنساني وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان..
ودليلا واضحا على حجم معاناة المدنيين بليبيا من جراء جرائم وانتهاكات الجماعات المسلحة بليبيا.
تفشّي ظاهرة
ووفق المحلل السياسي والباحث الاجتماعي عبد المنصف البوري، أصبح خطف الأطفال وحتى الرجال البالغين مقابل فدية كبيرة لإطلاق سراحهم أو السياسيين..
كما حدث مع رئيس الوزراء أو العسكريين لممارسة نوع من الابتزاز السياسي، وأدى تكرار حوادث خطف الأطفال إلى انتشار القلق والخوف على الأطفال، فيما لم تتحرك أي جهة رسمية لمعرفة الخاطفين والسعي للقبض عليهم واسترداد الأطفال، تاركة أهاليهم وذويهم يتجرعون الألم والحسرة.
ويضيف البوري إن « حوادث خطف الأطفال خاصة تلك التي لم يعلن عنها، ازدادت حتى كادت تكون شبه ظاهرة لم تجد من يتصدى لها ويردعها»..
لافتاً إلى أنّ «تراخي الحكومة والسلطات الرسمية وقوى الأمن ضاعف من جرأة العصابات وتجار المخدرات واللصوص على تحدي السلطات، مشدّداً على ضرورة تضافر الجهود بين الشرطة والجيش والأجهزة الأمنية والمخابرات والمباحث العامة والجنائية من أجل المراقبة والمتابعة..
فضلا عن ضرورة تشديد العقوبة وأن يتم تطبيق قانون الطوارئ، وقانون العقوبات وأن تصل العقوبة للإعدام على كل من يقوم بخطف طفل، حتى يكون هناك رادع للمجرمين.
الحقيقة تختلط بالخرافة في المغرب والفقر السبب الأول

تنشر وسائل الإعلام المغربية بشكل شبه يومي صوراً لأطفال تعلوها عبارة «تغيب عن المنزل»، أو «خرج ولم يعد»، وأغلب المفقودين أطفال تتراوح أعمارهم بين 5 -15 عاماً..
ولا يعلم أحد أين ذهبوا أو كيف اختفوا، ورغم أن الظاهرة ليست جديدة وتمتد لعشرات الأعوام، إلا أنها مازالت مستمرة وفي ازدياد رغم التشريعات المغلظة التي تحمي الطفل في المغرب، بسبب الفقر والجهل وغياب الوازع الديني، والتقاعس الأمني في كثير من الحالات هو السبب في انتشار الظاهرة وتناميها.
ويقول محمد مفيد والي أمن الرباط لـ«البيان»، إنّ ظاهرة اختفاء الأطفال سواء الفقد أو الاختطاف في ازدياد..
حيث بلغت في العام 2000 حوالي 121 حالة، وفي 2011 بلغت 317 حالة، فيما قفزت في 2014 بلغت حوالي 402 حالة، وخلال 2015 من يناير وحتى مطلع اكتوبر الجاري حوالي 411 حالة، أغلبها من مدينة الدار البيضاء ومدن الجنوب المغربي، ما يعني أن الظاهرة مستمرة ومتزايدة بالرغم من الجهود الأمنية المكثفة للبحث والتحري والرقابة..
وهذا يرجع لأسباب عديدة أهمها قلة الوعي وزيادة الفقر وغياب الوازع الديني لدى الكثير من سكان المناطق النائية والعشوائيات بالمدينة الاقتصادية الدار البيضاء ومدن الجنوب التي تنتشر فيها الأمية.
ويضيف مفيد أنّ «مذكّرات التحريات والبحوث الأمنية توصلت في بعض الحالات إلى قيام أسر فقيرة ببيع أبنائها لميسورين حرموا من الإنجاب ثم أبلغوا عن فقدهم كذباً، وهناك حالات اختطاف أطفال رضع وأطفال دون الخامسة وبيعهم لميسورين حرموا من الإنجاب أو العمل كخدم..
فضلاً عن اختطاف الأطفال من المناطق العشوائية والشعبية لبيع أعضائهم، إلى جانب حالات السحر والشعوذة، حيث يلجأ بعض المشعوذين لاختطاف الأطفال لاستخدامهم في استخراج الكنوز من باطن الأرض في مدن الجنوب، وأغلب هذه الحالات تم اكتشافها وتقديم الجناة للقضاء وصدرت بحقهم أحكام قضائية بالأشغال الشاقة المؤبدة فيما حكم على حالتين بالإعدام.
الزوهريون والكنوز
وترى نجيبة أديب رئيسة جمعية «ماتقيش ولادي» لحماية الطفولة بالرباط، أنّ «ظاهرة اختفاء الأطفال الصغار دون العاشرة، ارتبط أغلبها بالحكايات والقصص التي رويت عن استخراج الكنوز من باطن الأرض والتي تختلط فيها الحقيقة بالخرافة، ومن بينها فكرة الزوهري، التي اخترعها المشعوذون والسحرة وروجوها للنصب..
حيث يطلب المشعوذ من الباحث عن الكنز دفع مبلغ من المال مقابل شراء طفل بمواصفات خاصة يطلقون عليه الطفل الزوهري، ويروج السحرة والمشعوذون أن الطفل الزوهري ينتسب إلى ذرية الجن لهذا يستطيع بحدسه رؤية أشياء لا يدركها الإنسان العادي، ومن ثم استكشاف أماكن وجود الكنوز المدفونة في باطن الأرض..
ويقوم المشعوذ سواء بنفسه أو عن طريق وسطاء بخطف طفل وتقديمه للباحث عن الكنز لإكمال الحيلة، وبعض المشعوذين بعد اتمام عملية الدجل يقومون بإطلاق الطفل في الشوارع فيتحول لمتسول، وبعضهم يقتلون الطفل ويقومون بدفنه دون أن يعلم أحد عنه أي شيء».
قوانين وخروقات
بدوره، يشير الحقوقي ورئيس جمعية منتدى الطفولة عبد العال الرامي، إلى أنّ «ظاهرة اختطاف الأطفال في المجتمع المغربي انعكست سلباً على السياحة والاقتصاد والسلم الاجتماعي، إذ سجلت محاضر الشرطة حالات خطف لأطفال أجانب كانوا برفقة أسرهم أثناء زيارة سياحية وبعضهم خطف من المدارس..
وحالات أخرى عثر عليها في دور رعاية الأطفال وبعضها تمّ الاعتداء عليه جنسيا، وأغلبهم ذكور خطفوا لهذا الغرض ثم تركوا في الشارع، وهؤلاء بعد أن يودعوا دور الرعاية يتحولون إلى قنبلة موقوتة بعد خروجهم الى المجتمع بعد بلوغ السن القانوني».
