خلال عمليات تنقيب في موقع حفريّة «الفرير» الأثريّة في مدينة صيدا القديمة جنوبي لبنان، بالتنسيق مع وزارة الثقافة اللبنانية وعلى وقع بناء المتحف الوطني في ذات المكان، تمكّن فريق خبراء آثار من بعثة المتحف البريطاني من اكتشاف مكتشفات أثرية تعود إلى القرون الوسطى، وتظهر أهمية مرفأ صيدا في الشرق الأوسط.
وكشفت أعمال التنقيب المستمرّة للعام 17 على التوالي في موقع حفريّة «الفرير» الأثرية، النقاب عن المزيد من المكتشفات المهمّة التي تظهر التسلسل التاريخي لمدينة صيدون القديمة، وأهمية مرفأ صيدا القديم على البحر الأبيض المتوسط، بدءاً من اكتشاف سور صيدا القديم والذي يعود للقرون الوسطى وأجزاء كبيرة من الدفاعات القروسطية للمدينة، مروراً ببرجين يبعد الواحد عن الآخر مسافة 55 متراً، وصولاً إلى مقبرتين لمحاربين صليبيّين وهياكل عظميّة لحيوانات «خنازير وأحصنة»، فضلاً عن نقود نحاسيّة إسلامية تعود للعهد الأموي.
إناء صيدوني
كما تمّ اكتشاف إناء صيدوني نادر، يماثل الإناء المعروض في متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك «إناء سسنولا/ وسسنولا كان رجلاً ديبلوماسياً أميركياً عاش في قبرص أوائل القرن 19، إذ اشترى مجموعة خاصة وأعطاها لمتحف متروبوليتان، ومن ضمنها كان الإناء الذي لا بديل له إلا في صيدا»، ومجموعة كؤوس من ضمن المجموعة المستوردة من جزيرة إيفيا في بحر إيجه إلى صيدا، ما يظهر أهمية المدينة في تاريخ البحر الأبيض المتوسط عبر حركة الاستيراد الكبيرة التي كانت تتمّ آنذاك.
مكتشفات سابقة
وتمكّن فريق خبراء الآثار من بعثة المتحف البريطاني في مارس الماضي من اكتشاف معبد محجوب تحت الأرض، يعود تاريخ تشييده إلى العام 1300 قبل الميلاد في العصر البرونزي الحديث، المعروف باسم الفترة الكنعانيّة وفيه كانت تُمارس طقوس دينيّة لفئة معيّنة في المجتمع الصيداوي قديماً.
ويأتي اكتشاف المعبد متوّجاً سلسلة من الاكتشافات الأثرية المهمّة، والتي جعلت من هذه الحفريّة الأهمّ في لبنان نظراً للترابط الزمني والتاريخي في تسلسلها، فضلاً عن حجم المكتشفات الضخمة كل عام منذ بدء التنقيب منذ 17 عاماً، والتي تدلّ على أهمية مدينة صيدا وحضارتها الضاربة في جذور التاريخ، أما ميزة المعبد فتمثلت في كونه وجد كغرفة مختومة ومغلقة، إذ حماه من عوامل الزمن تشييد بناء فوقه يعود إلى العصر الفارسي: جدران الغرفة مبنيّة من الحجارة الضخمة، وهي بعلوّ أقلّ من 4.50 أمتار وأرضيتها قائمة على عمق 7.50 أمتار تحت مستوى الطريق المحاذية للموقع. ومن بوّابة الاكتشافات المستمرّة في هذا الموقع، إذ تتواصل أعمال الحفر والتنقيب وتُحفر الأساسات لتشييد متحف صيدا.
أسرار
أتاحت السنوات التي مرّت على عمل بعثة المتحف البريطاني في صيدا معرفة المزيد عن تاريخ المدينة وأسرارها في باطن الأرض، ومنها: غرفة قدس الأقداس، إذ كان السكان يعبدون تحت الطبقة الأرضية التي يعود تاريخها إلى 1300 قبل الميلاد تمثال لكاهن، طوله 115 سنتيمتراً، ويعود تاريخه إلى القرن السادس قبل الميلاد، وهو تمثال لم يعثر على شيء مماثل له في لبنان منذ بداية ستينات القرن الماضي وسور صيدا القديم، الذي يعتبر الحلقة الأخيرة من تاريخ صيدا الغابر ويشكّل حلقة الوصل مع التاريخ الحديث.


