المشهد الأول: تستيقظ الحاجّة دعاء عند صلاة الفجر، تصلّي وتلبس فستانها القطنيّ القصير مع بنطلون واسع، وتنتظر سائق الكميون الذي سيقلّها وزميلاتها الى خارج البلدة حيث كروم الزيتون.. وما أن يصلن إلى المكان المقصود، حتى تخبّئ كل منهنّ صرّتها التي تحوي خبزاً وزيتوناً وعلبة مربّى وقنينة مياه وعلبة دخان وحبّة بندورة وخيارة، في مكان بعيد عن أشعة الشمس.

المشهد الثاني: يطلب صاحب الكرْم أن تتمتع العاملات الموسميّات بالقوة والنشاط، حيث يجب على الخفيفة منهنّ والأصغر سنّاً أن تتسلّق الشجرة، لا يسمح للعاملات بالتشاجر والتناحر وإلا فمصيرهنّ الطرد، إضافة الى السمعة السيئة بين العمال، فلا يطلبها أحد في الموسم القادم.. يمنع التدخين واستعمال «الواتسآب» ويسمح لهنّ بالتحدث عبر الهاتف للمكالمات الطارئة فقط.

وما بين المشهدين، يطلّ موسم قطاف الزيتون في معظم القرى اللبنانية، إلاّ أنّ الحديث عنه وما يرافقه من خبريات يبقى قائماً في الموسم وخارجه، لاسيّما أنه يحتلّ مساحة لا يطمسها مرور الأيام في ذاكرة اللبنانيين، وإن كانت الآلة والآلية قد حجبتا بعض الصور التراثية التي طالما أضفت على الموسم طابع الخير والبركة والسلام.

 عادات وحكايات

 ولعل حكايات قطاف الزيتون تبدأ بالعادات التي ترافق هذا الموسم، بدءاً من اجتماع كل أفراد الأسرة استعداداً لقطاف الموسم، وتحديداً منذ منتصف سبتمبر مروراً بانتظار الشتوة الأولى في أكتوبر ووصولاً إلى عادات المزارع التي ورثها أباً عن جدّ، وهي الأكثر صحّة وسلامة لشجرة الزيتون والأكثر حفاظاً على نوعية ثمار الشجرة وزيتونها، وبالتالي زيتها.. ومن الحكايات أيضاً أنّه عندما يكون الزيتون وفيراً يكون الزيت قليلاً، والعكس صحيح، كما أن طريقة قطف الزيتون وتوقيته ثم عصره وتخزين الزيت، عملية تؤثر في طعمه ولونه وكمية الأسيد التي يحتويها.

وتبدأ قصة القطاف عندما تزخّ أمطار أكتوبر، فيجمع المزارع أفراد أسرته أو العمال في كروم الزيتون، يراقبهم وفي يد كل منهم عصا يضرب بها أغصان الأشجار، فتتساقط حبّاتها على الأرض حيث يختلط حابلها بنابلها بين تلك التي كانت سقطت أصلاً وحدها وتلك التي أشبِعت ضرباً فسقطت رغماً عنها، وبحسب الكثير من مزارعي الزيتون فإن الزيت كان يخرج لذيذاً تحت وطأة حجر المعصرة القديم، لكن الأهم بالنسبة إليهم أن يبقى ملك المائدة متربّعاً دائماً في وسط داره.

شروط

 وبحسب المزارعين للحصول على زيت زيتون بكر ممتاز، على المزارع أن يطبّق شروط تبدأ بطريقة القطف وتنتهي بالاحتفاظ به مروراً بطريقة عصره. ويفضّل المزارع أبو حبيب الدقة في هذه الخطوات، إذ من الأفضل مثلاً أن يتمّ عصر الزيتون بعد قطفه مباشرة، ما يوجب على المزارع أخذ موعد في المعصرة قبل موعد القطاف كي لا ينتظر ساعات بين القطف والعصر، بهدف الحصول على زيت ممتاز الجودة. وتتعارض خبرة أبو حبيب مع عادات المزارع الذي يقطف الحب ويضعه في أكياس، إذ إنّ الصحيح وضعه في علب خشبية لأن تكديسه في الأكياس يجعله يتخمّر سريعاً.

 قوانين استثنائية

 وفق إحصاءات وزارة الزراعة، تتوزّع كروم الزيتون في المناطق اللبنانية كالتالي: 40 % في الشمال، 39 % في الجنوب، 15 % في جبل لبنان، وحوالي 6 % في البقاع. وفيما لا يمكن التمييز بين أنواع الزيتون المزروعة محلياً، بسبب غياب الأسس العلمية التي تحدّد الفروقات بينها، إذ غالباً ما تُزرع نوعيات عدّة في كرم واحد، فإن من الأنواع شهرة: الصوري، البلدي، العيروني، الشامي، والسمقمقي. ويشكّل زيتون المائدة 30 % من إنتاج الزيتون اللبناني، والباقي أي 70 % يتحوّل إلى زيت زيتون في معاصر.