«متصل الآن»، واقع الحال الذي فرضته وسائل التواصل الاجتماعي الحديث، لا سيّما تقنية «واتساب» على الهواتف الذكية التي غزت المشهد، كل الركاب على مقاعد المركبات العامة في الخرطوم مشغولون فلم يعد للضجيج والصخب القديم من مكان، وانتهت وربما إلى غير رجعة المناوشات التي كانت السمة الغالبة بين الركاب والكمساري الذي يتحصّل قيمة التذكرة على المتبقي منها للبعض، كما صمتت أصوات الطلاب على المقاعد الخلفية وهدأت المناقشات ذات الأصوات المرتفعة، وهم يتجادلون في أوراق الامتحان، بل اختفت حتى «الونسات» والنقاشات الحادة تماماً، لتحل مكانها حالة من السكون والهدوء الذي كثيراً ما ينسي الراكب محطته التي يقصد وكثيراً ما ينسيه سبب شجاره مع الكمساري.
إدمان
ولا يتخلّل الهدوء الصامت في مركبات الخرطوم سوى نغمات تنبيه الرسائل المعروفة في الهواتف الذكية وفرطعة أصابع «الكمساري». ويقول أحمد الذي يجلس على المقعد جواري في المواصلات، إنّه أدمن استخدام «واتساب» فور جلوسه على المقعد، مضيفاً: «استخدام الواتساب في المواصلات ينسيني كل ضوضاء الطريق وكذلك الازدحام خاصة أوقات الذروة، حيث تكتظ الشوارع بالسيارات فليس هناك من سبيل سوى الانشغال بالتواصل على الواتساب».
نهاية مشادات
وتقتحم منى الطالبة الجامعية النقاش بالقول إنّ «الواتساب في الحافلة قضى تماماً على المشادات المعتادة بين الركاب والكمساري، حيث إنّ الكل مركز على هاتفه وكثيراً ما أعطي الكمساري ثمن التذكرة ولا أتذكر كم أعطيته من النقود»، غير أنّها أشارت إلى أنّ استخدامها «واتساب» حرمها من متعة النظر بنافذة الحالفة إلى الطريق وما يدور فيه، بل إنّها وفي كثير من الأحيان تجد نفسها تجاوزت المحطة التي تقصدها دون أن تنتبه للأمر.
من جهتها، ترى الصحافية نبع مدني أنّ أسوأ تجربة مرت عليها جراء استخدامها «واتساب» في المواصلات العامة أنّه أنساها ذات مرة أنه تبقى عشرون جنيها مع كمساري الحافلة وهي لا تزال تتحسر عليها، وتردد نبع: «هذا أسوأ ما في الواتساب».
ذو حدين
وعلى الرغم من إيجابيات «واتساب» كغيره من وسائل التواصل الحديثة، إلّا أنّه ووفق خبراء سلاح ذو حدين، إذ تشير الباحثة الاجتماعية السودانية نجوى عجبنا إلى أنّ «له مزايا إيجابية من خلال مساهمته في تسهيل عملية التواصل والترابط الأسرى فى ظل عصر السرعة والازدحام»، لافتة إلى أنّه يوفّر الوقت وجعل من الممكن الإلمام بأخبار الأهل والأصدقاء والزملاء والتواصل معهم بكل يسر مع توفير الوقت والمال، فضلاً عن مساعدته في تسهيل سير العمل في كثير من المهن والتخصصات، لا سيّما في مجال نقل الصورة والفيديوهات.
وتردف عجبنا: «أما الجانب السلبي للواتساب فإنّه يتمثّل في إسهامه في نشر الإساءات وأسرار الأشخاص عن طريق تبادل الصور الخاصة التي تجد طريقها للجميع بفضل سرعته وانتشاره، كذلك يعتبر مصدرا للمعاكسات بين الجنسين، فضلاً عن أنّ الاستخدام الخاطئ وغير المسؤول يجعله عند البعض مضيعة للوقت، حيث يقضون الساعات الطوال في تبادل الرسائل والدردشة وإهمال إعمالهم ودروسهم».
