لا يزال السكن يحتل الحيز الأكبر من هموم المصريين منذ سنوات، الأمر الذي دفع كثيرين إلى ابتكار وسائل جديدة للتغلب على الأزمة تحفظ لهم إنسانيتهم، بل وربما تكسبهم قدرًا من الشاعرية والرومانسية، وفق ما يقول من قرّروا اتخاذ أسطح العقارات ملاذاً آمناً يؤويهم ويتناسب مع إمكاناتهم المادية.

ومع أنين القاهرة من زحف العشوائيات، يعتبر البعض السكن فوق أسطح المباني أقل ضررًا وأقل تكلفة، فيما يعتبرها آخرون وجهًا آخر للعشوائية، لافتين إلى أنّ «هذه الأسطح التي كانت قديمًا لوحة جمالية تزينها الزهور والنباتات ويلتقي فيها سكان العقار من آن لآخر يمكن أن تتحول إلى ملاجئ عشوائية تؤوي مئات الآلاف».

ولا يقتصر اعتراض البعض على ظاهرة السكن فوق أسطح العقارات على التشوه الجمالي الذي حل بمباني العاصمة والضغط على مرافقها، بل التسبب أيضاً في قيام بعض الملاك ببناء وحدات صغيرة أعلى عقاراتهم بعيدًا عن رقابة الدولة ليتم تأجيرها أو بيعها لأسر وعائلات تفتقد القدرة على تملّك أو استئجار شقة.

وعلى الرغم من المشكلات المتعددة للعيش فوق الأسطح، لاسيّما الصحية مثل ارتفاع درجات الحرارة بشكل مبالغ فيه، أو إمكانية تسرب مياه الأمطار إلى الداخل، إلا أن كثيرين يرون أنها أفضل حالًا وربما كان الأمر الأكثر أهمية على الإطلاق أنهم يشعرون بابتعادهم عن الصخب والزحام.

ويشير محمود حسين إلى أنه عانى مشقة البحث عن سكن مناسب يبدأ فيه حياته الأسرية، إلا أن ارتفاع الأسعار سد كل الطرق في وجهه، حتى وجد إعلانًا في أحد مواقع الوساطة العقارية عن شقة مكونة من غرفة نوم وصالة وحمام ومطبخ فوق سطح أحد العقارات، مضيفاً: «وجدتها مناسبة، لاسيما أنني في مقتبل العمر وليس لدي أبناء، بالفعل استأجرتها لأنها مناسبة لظروفي المادية، ورغم التوجس الذي ساور أسرة عروسي، إلا أنهم لم يجدوا بدًا من الموافقة نظرًا لمعرفتهم بأزمة السكن التي تخنق كل شاب في مثل ظروفي».

سلامة مجتمع

في السياق، ترى د. سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن «السكن يمثل أزمة كبيرة في مصر، وتكمن خطورة عدم توفير سكن مناسب وآمن لكل مواطن في الإحساس المستمر بعدم الأمان والمتأصل بين سكان العشوائيات، الذي ينعكس بانتشار سلوكيات سلبية وعنيفة ترفع من نسبة الجرائم الجنائية التي تروع المجتمع بأسره».

وتشير إلى أنّ «توفير سبل العيش الكريم من ملبس ومأكل ومسكن ليس رفاهية، إنما هو ضمانة وحماية لسلامة المجتمع، حيث إن المجتمع الذي يفتقد فيه أبناؤه شعور الأمان والآدمية ينقسم ويتفكك حتى وإن كان محكومًا أمنيًا بشكل قوي، إلا أنه من حق كل مواطن أن يشعر بآدميته من خلال سكن آمن ونظيف، وفرصة عمل توفر له دخلًا ثابتًا، وتعليمًا وعلاجًا متوافرًا لكل فئات المجتمع وليس الفئات الميسورة فحسب، كذلك فإن السكن في مناطق غير آمنة يؤصل الشعور بعدم الأمان، إلى جانب الشعور القوي بأن هذا المواطن لم يأخذ حقه كاملًا، مما يجلب سلوكيات عامة تتسم بالعدائية تجاه المجتمع والدولة».

يد الدولة

بدوره، يؤكد د. علي الجلبي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإسكندرية، أنّ «ظاهرة سكن أسطح العمارات التي انتشرت أخيراً توضع تحت بند سكن العشوائيات الذي يسمى في علم الاجتماع القطاع غير الرسمي. ولا اختلاف حول عشوائية ذلك السكن بين علماء الاجتماع وأساتذته، وظهر ذلك السكن بعد وعي المواطن بأن السكن وسط العشش والمساكن الخشبية أو القبور أمر غير آمن ومشاكله أكثر من كونه حلًا، فاستغل المقاولون ذلك وقاموا ببناء وحدات سكنية مصغرة فوق عماراتهم لبيعها بسعر مقبول نسبيًا، وأغلبها غير مرخص وقد يفتقر للخدمات الأساسية.

وتابع أن «العشوائية في السكن تنعكس على السلوك ككل بنفس العشوائية فينتج طبقة جديدة في المجتمع تصدر المشكلات والأزمات، وتصبح عالة على المجتمع ومقدراته، لكن الحل ليس في أيدي تلك الطبقة التي لم تجد فرصة سكن في القطاع الرسمي، إنما بأيدي الدولة التي عليها اعتماد خطة محددة للانتهاء من تلك الظاهرة غير الحضارية».

خطّة محكمة

أكّد محافظ القاهرة جلال سعيد، أنّ «الدولة تنتهج إجراءات مهمة لحل أزماتها الرئيسة أبرزها سكن العشوائيات»، كاشفاً عن أنّه «سيتم وضع سياسات مستمرة لا تتغير بتغير الحكومات، ثم إعلان خطة تشمل كافة الجوانب للقضاء على العشوائيات خلال 5 سنوات»، فضلاً عن الحد من الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن عبر تنمية القطاع ليكون جاذبًا، وأن تتوافر فيه فرص العمل التي تضمن حياة كريمة .