بات الاغتراب، وخاصة بالنسبة للشباب في كافة أنحاء العالم وتحديداً في الوطن العربي، هاجساً كبيراً، بحثاً عن حياة آمنة لا يجدها في وطنه، وعن معيشة هانئة يصعب العثور عليها، ولم تعد الوسيلة لتحقيق هدفه هي المعضلة بل الغاية هي الأساس.
والأسئلة التي تدور في أذهان البعض حول أين يذهب؟ وماذا يفعل؟ لم تعد تجد مساحة للتفكير، ولا تبعثر أوراق أحد أو تقف عائقاً أو مانعاً يحول دون تحقيق الرغبة. وأصبح الكثير من الشباب يفكر في الاغتراب حتى قبل أن يكمل مسيرة تعليمه الجامعية، فهناك آلاف من الخريجين في بلده بلا عمل أو حتى بصيص أمل يقود إلى أي مستقبل كان.
والاغتراب لم يعد بالرغبة فحسب بل أصبح قسراً نتيجة النزوح الجماعي لهاربين من جحيم الحروب وقسوة الظروف أو قمعاً لأسباب سياسية. والاغتراب لم تعد ترسمه حدود الزمن أو آلام الهجرة والحنين إلى الوطن.
غربتان
الهجرة داءٌ ينخر في عظام غزّة
غربتان بينهما فاختر، في وطن ليس لك فيه من شيء، دمك، مالك ودارك حلال للاحتلال، أو إلى البعيد طر بحثاً عن بقعة تحترم آدميتك، تأمن فيها وأهلك قلة الحيلة وتسلّط الأعداء.. ليس لك من خيار ثالث يا إنسان غزّة.
هي الضرورة وفقهها الغلاب أخرجتك بحثاً عن أمل وظل وريف لن يكون قطعاً كظلال غزّة، لكن ما يهوّن أنك ستستقبل اليوم ولأول مرّة ربما يوماً لا يكون لمناظر قهر الاحتلال وتسلطه على العباد نصيب منه، من حقك قطعاً البحث ليس عن حياة أفضل لأنّ أي حياة بعيداً عن الاحتلال ستكون كذلك، بل محاولة توفير مقوّمات الحياة في بلد آخر، بعد أن عجز العالم كله ورفع راياته البيض مقرّاً بالهزيمة في وجه عدوانية إسرائيل، همجيتها بطشها العنصري بك وبني جلدتك.
حال المواطن أحمد صالح «25» عاماً كما الكثيرين من أهل غزّة الذين تركهم آباؤهم وسافروا للعمل خارج القطاع، فوالده يعمل في الكويت ويسكن مع والدته وشقيقته في غزة.
يقول: «أبي يعمل في الكويت منذ أكثر من ثلاثين عاماً في إحدى الشركات التجارية، ولا يستطيع أن يأتي إلى غزة باستمرار، لم أذكر أن اجتمعنا كأب وابن»، بدت ملامح الاستياء والحزن على وجهه وهو يتحدث عن غربة والده قائلاً: «أشتاق لمجالسة والدي والخروج معه، هناك الكثير من الأمور تحتاج إلى وجوده، الأمر صعب الاحتمال عليَ وعلى والدتي وشقيقتي»، لقد تزوجت شقيقتي ولم يستطع والدي الحضور بسبب إغلاق معبر رفح والحصار المفروض على غزة، لقد أثقلت غربة والدي كاهلنا كثيراً».
ثقل تركة
وتروي السيدة سهير خالدي «48 عاماً» أم لخمسة أبناء سافر زوجها إلى السويد للعمل هناك تاركاً أسرته في غزة على أن يقوم بطلبهم حال تحسّنت ظروفه: «تربية الأبناء دون مشاركة الأب مهمة صعبة للغاية، لا أعرف متى ستتحسن ظروفه ونتمكن من اللحاق به، الأمور في غاية التعقيد».
تخرج سهير تنهيدة عميقة لتحكي عن عجزها أمام أبنائها على الرد على بعض أسئلتهم أحياناً، حتى عندما تطلب إدارة مدارسهم حضور ولي الأمر يرغبون بحضور والدهم وليس والدتهم كباقي زملائهم، ما يجعل الحاجة لوجوده أكثر.
حلم يراود
ويراود حلم الاغتراب أهل غزّة الغزيين للابتعاد عن قسوة الحياة من فقر وارتفاع بطالة، إذ يرى والد الشاب أحمد سعد من محافظة خانيونس الذي قضى خلال محاولته الهجرة عبر البحر وغرق مع سفن المهاجرين خلال العدوان الأخير على غزة: كان ابني مصراً على السفر والهجرة، فهنا في غزة لم يجد عملاً والحياة صعبة، واتخذ قراره بترك زوجته وأطفاله الثلاثة عندي حتى يتمكن من الوصول إلى إيطاليا ومن ثم يحاول أن يجلب عائلته، الحياة صعبة للغاية، أفقدتني ابني وأفقدت عائلته أباً وأصبح أطفاله أيتاماً، نحن ضحية الظروف وهو أيضاً ضحية الغربة».
داء فتّاك
وتؤكد المسنة أم حامد الغرابلي 68 عاماً، أن «الغربة داء كبير يفتك بالأسرة ككل»، تقول: «توفي زوجي منذ زمن طويل، وأصبحت المسؤولة عن الأسرة والأبناء، وبعد أن حصلوا على تعليمهم الجامعي طرقوا باب الغربة للعمل، إذ لم يجدوا عملاً في غزة».
وتضيف: «لدى ثلاثة أبناء وجميعهم سافر إلى الخليج للعمل، أصبحت أشعر بالوحدة على الرغم من اتصالهم المتكرر وحرصهم على إرسال النقود لي، لا شيء أصعب من الغربة، أحتاجهم في أوقات مرضي، وأوقات فرحي وحزني، لم يخفف عني المال الذي يقومون بإرساله لي، إنه موت بطيء».
اغتراب
ولم يكن حال سامية صالح «25 عاماً» أحسن حالاً، كانت تعيش مع عائلتها في تونس ولكن رغبة عائلتها عادت بها إلى غزة لدى أقاربها لتكمل تعليمها الجامعي في جامعات غزة، تقول: «أمضيت أربع سنوات تعليمي بعيداً عن أهلي ولم أتمكن من السفر إليهم، ورغم أني بجوار أقاربي لكن وجود العائلة لا يغني عن أي شيء»، مضيفة: «عانيت كثيراً لعدم وجود والدي وتدخل الأقارب وخاصة الأعمام في كل صغيرة وكبيرة، لا أشعر بالأمان والثقة بل بالغربة».
وبنظرة باهتة الملامح قالت: «الغربة سلاح قاتل للأبناء والآباء، احتجت والدي بجانبي في أكثر المواقف صعبة، فكيف سيكون بجانبي، لن أكرر غلطة عائلتي ولن أسعى إلى الغربة والعمل في الخارج، إنها النهاية».
صعوبة تكيّف
تشير الأخصائية الاجتماعية وفاء سالم إلى أنه من الصعب تكيف الأسرة في غياب معيلها، وتبقى على تماسكها وحبها وودها إذا أرغمت ظروف الحياة رب الأسرة على أن يسافر، لافتة إلى أنّ «أصعب مشاكل هذه التجربة يكمن في الجانب النفسي لأن الزوج المغترب يشعر فجأة بغربة كبيرة ووحدة عميقة وإحساس كاف لشل جميع طاقاته وخاصة الفكرية».
أزمة
مهاجرون يعانون العزلة وازدواج الانــتماء
قاص أردني عاش خارج الوطن سنين طلبنا منه شرح اختبار تجربة الغربة، ليصمت خالد أبو الخير صمتاً يزيد على الدقيقة، كأنه عاد واسترجع كل ما اختبره من معاناة، قائلاً: «حين تشعر إن كل شيء ناقص، حتى في المسرات والنجاحات والعلاقات الجديدة، حتى في الأحلام وطعم النوم، إعلم عندها أنك تعاني الاغتراب، أو أنّك في غربة».
وأضاف: «الأوطان ليست مساحات من الأرض والماء والناس، والكائنات بقدر ما هي ما جبلنا عليه، ما اكتسبناه ووعيناه عبر سنوات الطفولة والشباب، وبهذا المعنى يكون الوطن أنت، أو سراجاً من ضوء في داخلك تحمله أينما حللت، إنّ أصعب ما في ذلك، أنك حتى لو عدت يوماً إلى المكان، سرعان ما تكتشف استحالة تطابقه مع ما في داخلك، حقاً.. فقد طال الاغتراب بنا لدرجة أنّ المكان الذي لطالما منينا النفس بالعودة إليه، ما عاد موجوداً إلّا في أحلامنا».
خلال العشرين عاماً لم يزر أحمد الأردن سوى خمس مرات منها مرتان عندما توفي فيها والداه، والثلاث الأخرى تكاد تتعلق بالسياحة، هل يعود الوطن الأم بلداً نموذجياً للسياحة؟
الغربة ليست مزحة، والأردنيون وهم يتحدثون عن مملكتهم وسط هذا البحر المتلاطم من الفوضى يشعرون اليوم بحرارة هويتهم الأردنية أكثر من أي وقت مضى.
ازدواج هويّة
لكن سامي يعيش منذ عقود خارج المنطقة كلها حتى فقد لسانه لكنته، وصار ذا لكنة غريبة مغتربة لا علاقة لها بالوطن. يقول إنه لا يعاني من مسألة الهوية والمواطنة فهو يرى نفسه أردنياً كما أنّه يرى نفسه كندياً حيث يعيش.
لكن أليس هناك فروق ثقافية واجتماعية ولغوية بل وسياسية واقتصادية شاسعة بين أن تكون أردنياً وأن تكون كندياً. يجيب سامي بالإيجاب لكنه في المقابل يرى أن «هذه الفروق لا تحدد الهوية فقط، ويمكن أن تصنع من الهوية شكلاً جديداً يجمع التناقضين معاً».
حاجات ملحّة
ويعلق أستاذ علم الاجتماع د. حسين الخزاعي بالقول: «العالم اليوم اختلف عما كان عليه في السابق، في الماضي كانت الحاجات الأساسية الملحة للناس هي في الغذاء والدواء، أما الآن فإن أهم الحاجات الملحّة من حاجات المجتمعات المتحضرة هي الهوية والحرية، أولاً الهويّة وثانياً الحرية ثم الحاجات الأخرى الغذاء والدواء وغير ذلك».
وحول عملية الاندماج مع المجتمع، استشهد الدكتور الخزاعي بالقول: «سبعة في المئة من سكان العالم ليس لديهم وطن يستقرون فيه، بل هم في حركة دائمة ومنهم بعض الأردنيين»، مشيراً إلى أنّ «هؤلاء في العادة لهم هوية أصلية إضافة إلى هويات فرعية أميركية أو كندية أو أسترالية أو غير ذلك».
غربة من الداخل
في إحدى الدراسات المتخصصة التي نفذت لصالح الحكومة الأردنية ولم يعلن رسمياً عن نتائجها، كشف عن خلل في علاقة الارتباط بين الشباب الأردني ومجتمعهم، وأن مظاهر الإحباط والنكوص والاغتراب تسود أوساطهم.
وتعد الدراسة الأولى من نوعها التي يجري تنفيذها بهذا المستوى الواسع، لاسيّما وأنها اختصت بالمواطنين الذين هم ما دون سن الثلاثين، أي ما نسبته 70 في المئة من سكان الأردن البالغ عددهم نحو ستة ملايين نسمة.
تفاوت طبقي
وذهبت دراسة «الشباب الأردني: الاتجاهات والقيم والتصورات» التي نفذها المركز الأردني للبحوث الاجتماعية لصالح الحكومة، إلى أنّ «50 في المئة من الشباب يرون أنّ الفروقات بين الأغنياء والفقراء هي الأكبر داخل المجتمع».
وكان ما يقارب ثلث الشباب في الدراسة من الفئة العمرية من 18-21 وأكبر من 40 في المئة من الفئة العمرية «26-30» بينهم الثلث من حملة الشهادات الجامعية والدبلوم وأكثر من الخمس بقليل دون الثانوية العامة.
وما يؤشر على حالة الإحباط والاغتراب بينهم قال 68.2 في المئة من الشباب إن «إحراز تقدم في الحياة داخل المملكة لا يعتمد على المجهود الذي يبذلونه شخصياً، بل على خلفياتهم الأسرية ومكانة أسرهم في المجتمع».
وهم الهروب إلى الرفاهية والمجتمعات المتحضرة
صعبة هي المهمة لمن قرّر ترك وطنه من أجل تأمين مستقبله وتحسين أوضاعه، تراوده أحلام الطريق المفروش بالورود تناديه أن أقبل، حتى إذا ما جاء وجدها سراباً ودخل عالماً جديداً غير الذي رسم، لا ينتمي له ديناً وعرقاً وثقافة ولا لغة، ومن يستطيع الانصهار والتعايش مع هذا الواقع بقيمه وعاداته وتقاليده ومشكلاته وأزماته الاجتماعية يدرك أنه تعرض للخديعة الكبرى.
ويصطدم المهاجرون إلى سويسرا بضغوط هائلة لمقابلة المصروفات والاحتياجات الضرورية، حيث بالكاد يكفي الراتب رغم الدعم الاجتماعي المقدم من الحكومة لذوي الدخل المحدود، كما يشتكون من القيود والضغوط المفروضة عليهم دائماً والبيروقراطية وتنامي ظاهرة العقاب بالغرامات المالية.
وتنظر بعض الجماعات اليمينية المتطرفة في سويسرا إلى الأجانب على أنهم شر وخطر يهدّد أمنهم وينهب ثرواتهم، بالرغم من أن سويسرا تعتمد بصورة كبيرة علي الأيدي العاملة الأجنبية.
تتضائل أحلام المهاجرين في تأمين المستقبل في بلادهم في ظل ارتفاع أسعار العقارات وقلة الإمكانات لتأسيس استثمار أمن ينهي معاناة وآلام الغربة، فلا هم يستمتعون في البلاد التي يقيمون فيها ولا هم يستطيعون العودة للعيش في بلدانهم، وبين هذا وذاك تمضي السنوات، ومن يحالفه الحظ، عندما يأتي قدر الله، يتم ترحيله إلى بلاده جثة هادمة بعد أن فارقها شاب ممتلئ بالحيوية والأحلام، أما من لا حيلة لهم ولا أحد يسأل عنهم يموتون دون ضجيج ويدفنون دون بــواكٍ.

مستقبل أبناء
ولعل مما يقضّ مضاجع الكثير من الأسر المسلمة في سويسرا نشأة ومستقبل الأبناء في مجتمع غير مسلم ومتحرر ومختلف عن العادات والتقاليد الإسلامية، وفي ظل تأثير الانفتاح والحريات في المجتمع السويسري وقوانين حماية الأطفال تقل سيطرة الأسرة على فلذات أكبادها، وتسمح لهم القوانين بالتبليغ الفوري لدى الشرطة والجهات المسؤولة ضد الوالدين في حال تعرضهم لأي شكل من أشكال الأذى والتهديد، ويتضاءل دور الأسرة وقدسيتها، وما بعد سن الثامنة عشرة يظل الأبناء والبنات أحراراً يختارون الدين والهوية التي تناسبهم وحتى من ينوون الارتباط به في المستقبل أياً كان دينه، ولا عزاء للأسرة العربية المسلمة.
مخاوف وشكوك
وأوضح د. علي جبريل طبيب مقيم في سويسرا، أن «هناك شعوراً لدى بعض الأجانب بالمخاوف وعدم الاستقرار والثقة في الآخر، فضلاً عن صعوبة الاندماج في المجتمع لعدم رغبتهم في التنازل عن معتقداتهم التي أتوا بها من بلادهم». مبيناً أن «نجاح الأجانب في سويسرا يعتمد على ركائز أساسية تتمثل في التحصيل العلمي والمادي والاندماج». ويظل طلب لمّ الشمل واستقدام الزوجة والأبناء أو العكس مهمة عسيرة يجب الالتزام بسلسلة طويلة من الإجراءات، وإثبات المقدرة المالية حتى لا يضطر صندوق الدعم الاجتماعي الإنفاق على أسرة تشكل عبئاً إضافياً عليه.
ويحكي إدريس بشير الذي يقيم في سويسرا منذ 11 عاماً، أنه اضطر للذهاب إلى المحكمة حتى يتمكن من إحضار زوجته وابنته وينتظر منذ عامين استكمــال إجراءات لمّ الشمل لكن دون جدوى، الأمــر الذي جعله يفكر في التضحية بالإقامة فــي سويسرا من أجل العمل والعــودة إلــى بلاده وأسرتــه الصغيــرة.
تحت الصفر
وتروي د. مريم محمود طبيبة أسنان عن قدومها إلى سويسرا في التسعينيات وكيف أنها بدأت من تحت الصفر، وهي أم لطفلين، بعد أن درست الطب في الخارج لم يتم الاعتراف بشهادتها في سويسرا، اضطرت أن تواصل دراستها وتخضع لامتحانات عديدة لمعادلة شهادتها. درست وتفوقت إلى أن بلغت الدكتوراه في طب الأسنان وحققت حلمها كطبيبة ناجحة، قامت بإنشاء مركز خاص بها وكونــت ثروة كبيــرة من المــال والعقــارات، وفرحت بأبنائها الذين ســاروا كــذلك علــى دربهــا.
ويجمع الكثيرون ممن استطلعت «البيان» آراءهم على أن الغربة المخطط لها جيداً ومرسومة بأهداف محددة ودقيقة ستصل بصاحبها إلى مبتغاه وما يصبو إليه في أقرب وقت ممكن بالعزيمة والكفاح والأمل فــي توفيــق اللــه تعالــى.
قرار مؤسف
صوتت سويسرا العام الماضي على وقف هجرة وتدفق الأجانب، معلنة عدم رغبتها في استقبال المزيد من الأجانب للعمل في أراضيها، ما قوبل بموجة غضب واستياء كبيرة وسط الأجانب.
ووصف كثيرون قرار سويسرا وقف تدفق الأجانب بالمؤسف وأنّه يحرم الكثيرين من استقدام عائلاتهم ويضعهم في ظروف نفسية سيئة من جراء هذا التعنت والتشدد في الإجراءات.
معاناة
لبنان.. مشاهد تدفع للخيار بين هويتين
المشهد الأول: يحمل حقيبة السفر، ينظر إلى الخارج وهو يركب السيارة التي تقلّه إلى المطار.. يغمض عينيه خوفاً من الدمع الذي يهددّ أن يسيل، يصل إلى المطار في حالة ذهول، يقبّل أمه وأبيه، إذ لا يعرف إن كان سيراهم مجدّداً، بعدما قرّر الرحيل إلى ديار الغربة.
المشهد الثاني: «لا أريد أن أفكر في بلدي، لأنّ بلدي لا يفكر بي»، تقول الطالبة ديما، التي قرّرت تجربة لعبة الحظ مع الحصول على الجنسية الأسترالية. أما الهوية التي يتغنّى اللبنانيون بنصاعة صورتها النهائية، فكانت سبباً أولياً في إنتاج الأزمات وانعدام الاستقرار. المشهد الثالث: «كتير مبسوط بهالبلد». يقول رامي باستهزاء عند سؤاله عن سبب رحيله إلى أميركا، وتفضيله الجنسية الأميركية على جنسيته اللبنانية.
بنظره، لا يوجد شيء في لبنان غير الحروب. هي المشاهد تتكرّر يومياً في لبنان، البلد الذي فقد فيه هرَم الأعمار توازنه، ولم يعد يحافظ على شكله الطبيعي، قاعدته التي من المفترض أن تمنحه رسوخاً وثباتاً ليست في مكانها، وبالطبع رأسه المثلّث في غير موضعه في القمّة.

دقّق ربيع «26 عاماً» بما صار عليه هذا الهرم، فانتابه شعور باليأس والتشاؤم: «إنها المرّة الأولى، منذ عشرات السنوات، التي يشهد فيه هذا الهرم انقلاباً رأساً على عقب على هذا النحو الدراماتيكي والمنحى الغالب يعبّر عن نسبة هجرة الشباب الذين رحلوا أو أولئك الذين يعتزمون الرحيل».
لوحات على الطرقات
وما بين المشاهد المتكرّرة، تنتشر على الطرقات اللبنانية من حين لآخر لوحات تحمل توق عناوين لحملة «شبكة الأمل» الإعلانيّة إلى الجمهور اللبناني، على مثال: «يمكن للأمل أن يطلي الغراب بالأبيض فيصبح طائر سلام»، و«يمكن للبنانيّين أن يتفاءلوا، لأنّ الأمل وحده سيقدّم لهم فرصاً كي لا يهاجروا ويتركوا وطنهم للغرباء»، و«يمكن للأمل أيضاً أن يصنع المعجزات.. كأن تنبت أرزة وسط حفرة على طريق سريع»، وذلك كون قطاع الإعلان هو من أهم القطاعات التي يمكن أن تساهم في التأثير في الرأي العام.
«احمل حقيبتك، واتبعني»، وهكذا بات حلم اللبناني اليوم الحصول على تأشيرة خروج وربما هجرة إلى بلدان أكثر أمناً، حتى لو اضطرّه الأمر إلى ترك لبنان للأبد. ولعل ما يزيد في رغبة اللبناني على الهجرة والحصول على جنسيات أخرى غير اللبنانية، ما يحصل خلال «الخضّات» الأمنية من جلاء للرعايا الأجانب حاملي الجنسيات الكندية والفرنسية والأسترالية والأميركية وغيرها، ما يولّد لدى اللبناني الأحادي الجنسية «عقدة التمايز»، وبالتالي يتهافت الكثيرون على السفارات للحصول على تأشيرات، وإن بـ«القطّارة»، أو ربما لتقديم الأوراق من أجل الحصول على هجرة، وبعدها على جنسية البلد الذي قد يستضيفهم، أما الاستقرار المنشود في البلد، فمتعذّر الحضور ما لم يكن مصحوباً بهوية يُصار إلى التصالح عليها والتوحّد حولها، وفق إجماع الكثيرين.
أم الشرور
هي البطالة «أم الشرور» ومصدر القلق الدائم، وفق الأخصائيّة في علم النفس د. سناء رحال، مشيرة إلى أنّها «تزداد يوماً بعد آخر في ظل تخرّج عدد كبير من الطلاب الجامعيين سنوياً من دون عثورهم على فرص عمل، ليبدأوا مشوار القلق والمعاناة والاضطراب والضغط النفسي، ما يؤدي بهم إلى حالة إحباط شديدة». وتلخّص تبعات حالة الإحباط على الشباب والوطن بجملة عناوين، أهمها: الهجرة، بحثاً عن عيش آمن ومستقبل مشرق، ومنهم من يستبدل هويته بوطن بديل بتركه الولاء للأصيل، فتكون الازدواجية الخطيرة.
حافز تطوير
ولا يدعو هذا الواقع بالنسبة لوزير العدل السابق بهيج طبّارة إلى التشاؤم، بل على العكس فهو حافز للعمل بقوة وجدّ ومثابرة، من أجل تطوير النظام السياسي وإزالة ما يعتريه من عيوب وشوائب، مضيفاً: «علينا أن نواكب هذا التطور بعقلنا وعاطفتنا معاً، لكي تتحرّك مؤسّساتنا السياسية بالروح التي يزداد في ظلها اطمئنان الوطن إلى غده»، مشيراً إلى دور الشباب في بناء الهوية الوطنية والتي لا يمكن بلورتها وتعيين ماهيتها إلّا من طريق تحديد الأنا الوطنية المتوخاة وطبيعة ارتباطها بالآخر.
ظاهرة تاريخية
يؤكّد المختصّ في علم الاجتماع والسكّان والأستاذ في الجامعة الأميركيّة في بيروت د. محمد فاعور، أنّ «الهجرة ظاهرة تاريخية»، محدّداً نوعين منها: الأولى مؤقتة والأخرى دائمة. ويعزو أسباب الهجرة إلى الوضع الاقتصادي وضيق سوق العمل، مع وجود رواتب متدنية لتأمين الحد الأدنى للمعيشة، واحتقان الوضع السياسي والتخوّف من عودة الحرب مجدّداً، ملقياً اللوم على الدولة.
