تبرز القصبة العتيقة بأعالي العاصمة الجزائرية من بعيد، وكأنها عرض فريد لمدينة أبدعتها يد الطبيعة في شكل يتهادى نحو الأزرق الكبير وبيوت تتشبث بالمرتفعات وكأنها تخشى الانجراف نحو البحر، هذه المدينة البيضاء التي استحالت إلى سوداء، لكنها لا تزال لغزا محيّرا تبحث عنه «عواصم» عبر هذا التحقيق. تتموقع القصبة بعمرها الدافق الممتد عبر تلاوين أكثر من ثمانية قرون، على مرتفعات مدينة الجزائر، وتتراءى جغرافيا كمثلث غير متساوي الأضلاع قاعدته انفراج البحر عن الأميرالية، كما تشغل القصبة دروبا واسعة تمتد من باب الواد العريق من الشمال حتى شارع باب عزون وساحة بورسعيد من الجنوب، تبلغ قمتها، قلعة الجزائر التي شرع في بنائها سنة 1516م وانتهى من إنجازها عام 1591م، وهي تقع في أعالي القصبة مشكلة رأس المثلث المكون لها.
ويفيد الباحث عبد الكريم ناصر بأنّ قصبة العاصمة أنشئت في بادئ الأمر، كقلعة عسكرية دفاعية على غرار الكثير من القلاع على كامل الساحل الجزائري، وتقرأ على لوحة تعلو باب مدخلها الرئيسي، عبارة مرسومة بعربية واضحة، تفيد بأنّ القلعة تأسست بحدود سنة ألف هجرية أي حوالي 1591 ميلادية.
وظلت القلعة محافظة على طابعها العسكري الدفاعي طوال فترة تواجد العثمانيين بالجزائر وحتى عام 1817 ميلادية، عندما صعد إليها الداي علي خوجة وترك قصره القديم بالقصبة السفلى لأسباب أمنية، وأصبحت قلعة الجزائر منذ ذلك التاريخ مقراً سياسياً وعسكرياً، وجرى تأطيرها بمنمنمات بديعة من الحدائق الصيفية والشتوية حتى صبغ المكان بنوع من رفاهية الحكام، وبعد احتلال الجزائر من طرف القوات الفرنسية عام 1830م، أعادت فرنسا إلى تلك القلعة طابعها العسكري لمدة مئة عام، ثم حوّلتها إثر ذلك، إلى متحف لما عرف حينها بـ«الجيش الإفريقي»، وبقيت على تلك الحال إلى غاية استقلال الجزائر عام 1962م.
غيض من فيض
وسط آثار الرومان والعثمانيين والمرابطين والموحدين وأهل الأندلس والفرنسيين وزقاق سيدي هلال، تتلألأ المرايا شاحبة ناقلة غيضا من فيض كل من الثنائي البارز عبد الرحمن الثعالبي وبولوغين ابن الزيري والأخير سطع نجمه عام 960 م، حيث كان وراء ازدهار مدارس بني مزغنة وأحمد بن شنب. وتخرّج من القصبة أبطال كبار على غرار جميلة بوحيرد، وياسف سعدي وحسيبة بن بوعلي وغيرهم، واقترنت في الذاكرة بمختلف منعطفات الأزمة منذ زلزال الديمقراطية مرورا بالأزمة الوطنية الدامية سنوات التسعينيات، وصولا إلى التظاهرات الاجتماعية المنادية بالتغيير والمنفجرة بحماسة الثورة على السائد والمرتهن.
بوتقة نابضة
تلك الجوهرة المشوّهة تئنّ في صمت، لكنها أيضا خلية تعج وتموج بأهلها، تتلاشى بقدوم الظلام لتتحول وتتجدد على وتيرة تلك الحركات الدؤوبة وتتماهى أخيرا في بوتقة نابضة تحت الأعين الساهرة لأبناء مكان آوى الكاتب الإسباني الشهير «ميغيل دو سيرفانتيس» (1547 – 1616م) مؤلف رائعة الآداب العالمية دون كيخوت.
وتأبى القصبة الخضوع، إذ آلت على نفسها الاحتفاظ بذاكرة جزء كبير من تاريخ البلاد، ويتملك ذوو الفضول التوّاقون إلى البحث عن أحاسيس جديدة، إلى الاستمتاع بزيارة هذا العالم العتيق، فيستقبله الأخير وكله حياء وخجل، بما أنّ الأسوار والحصون التي صنعت أمجاد القصبة أضحت اليوم أطلالا، أما دُويراتها ذات الطابع (الموريسكي) فمختمرة بأسوار وكأنها تستتر حفاظا على عذريتها.
ويفيض مناخ القصبة التي تستوعب 11 مسجدا بمختلف دروبها وأزقتها، بكثير من الأدب والثقافة وشفافية الحياة، وهي تعاليم بقيت راسخة منذ زمن سكان القصبة الأوائل، لكن مجموعات كبيرة من الريفيين غزت الحي فأفسدت أريجه، في وقت استفحل التسيب واللامبالاة.
أسقف تتهاوى
يبدي بلقاسم باباسي رئيس مؤسسة القصبة أسفا لكون المنطقة ورغم ما تمثّله من رافد أثري فنّي وحضاري مهم، إلاّ أنّ أعمدتها تتساقط وأسقف الدويرات العتيقة تتهاوى، بفعل افتقارها لمخطط واضح يحفظ لها هويتها وخواصها، ولم تكن استغاثات عشّاق القصبة لتغيّر من الهزال الماثل.

