يعيش الحرفيون في الجزائر تحت رمال الإهمال وأخطبوط اللامبالاة الذي أطاح بكنوز جيل كامل، ففن «توشية الحرير» تلاشى، بينما يتلوى النحّاسون، وفي المقابل يصرّ الدبّاغون على كسب معركة البقاء.
وفي تحقيق لـ«البيان»، ركّز ممارسون على خشيتهم من زوال المهن اليدوية في البلاد، على خلفية تراجع الطلب على بعض المنتجات المتعلقة بها خلال السنوات الأخيرة، ما أفضى إلى قلق عارم في أوساط الحرفيين من انعكاسات نزيف أكبر، خصوصا غداة اضطرار الآلاف من متعاملي الصناعات التقليدية للتوجه إلى أعمال أخرى، بسبب غلاء المواد الأولية لاسيما في صناعة الأواني الفخارية ومختلف أنواع الخزف.
وتشهد صناعة النحاس في حي القصبة الشهير بأعالي العاصمة، حالة من التراجع المريب، في وضع يؤشر على واقع مأزوم لحرفة ظلت تطبع المدينة الأولى في البلاد، ويشير سكان القصبة إلى تضاؤل أعداد النحاسين، في وقت أبدوا استياءهم الشديد من الإهمال الذي يعانونه من السلطات خاصة في وزارتي السياحة والصناعات التقليدية وكذا الثقافة.
ويستهجن الحرفيون ما يسمونها الوعود الكاذبة التي سئموا منها، ولا يخفي الحرفيون قلقهم من اندثار الحرفة المهددة بالزوال رغم أنها تعدّ تراثا وطنيا ورمزا من رموز الجزائر. وينفي الحرفيون صحة تلك التصريحات التي ظلّ يطلقها المسؤولون خلال السنوات الأخيرة، والتي تضمنت كلاما كثيرا عن إنجاز حي للحرفيين وإطلاق مدارس متخصصة في التلقين والرسكلة.
استغاثة
ويفيد متعاملون أنّ عدد المشتغلين بالحرف في تناقص مستمر، وأصبح من النادر إيجاد مثل أولئك الحرفيين بسهولة، ولدى اقترابنا من محمد بن ميرة أحد نحّاسي المنطقة أكد أنّ الأمر ليس وليد اللحظة، وللأسف فإن أعدادنا تتجه نحو الانخفاض منذ سنة 1965 فمن 20 إلى 25 نحّاسا نزل العدد إلى ثلاثة مزاولين فحسب للمهنة.وقال العم محمد إنه ورث هذه الحرفة أبا عن جد..
كما أنه يزاولها منذ سنة 1966، وقام بتعليمها لابنه إلا أنه بسبب المجهود الكبير الذي تتطلبه ونظرا لدخلها الضئيل وعائدها المتدني اختار الابن التخلي عنها والتوجه إلى عمل آخر يسترزق منه، فالحرفة باتت مجرد هواية لا مصدر عيش.
وأشار إلى المبيعات فقال من الممكن أن يمر 20 يوما ،دون أن يبيع أي تحفة، ورغم ذلك فالعم محمد يفضل التواجد بدكانه وهو يتفنن في نقش تلك الألواح النحاسية لينتهي بها الأمر إلى تحفة فنية تثير إعجاب كل من يضع عينيه عليها، بدل الجلوس في المقاهي أو البقاء في المنازل دون أي عمل.
وعن أشهر التحف الفنية المصنوعة بمادة النحاس، ذكر العم السبعيني الهاشمي أنّ اللائحة تتضمن الصينيات، المشارب، الثريات، الأباريق، وغيرها، وينوّه مسيّر إحدى الورش بتهافت الزبائن من مختلف المستويات والمناطق، فعادة تأتي العرائس لشراء بعض الأواني التقليدية، ويأتي السياح لاقتناء تذكارات رمزية تذكرّهم بزيارتهم لبلادنا، وأكثر المواسم رواجا للمهنة ،فصل الصيف باعتباره تقام خلاله الأعراس وتبدأ فيه العطلات المدرسية والاجازات السنوية.
وحول مزاولة المرأة لحرفة النحاس في الجزائر، يلاحظ عدم وجود أي نساء يمارسن المهنة، وذلك نظرا لصعوبة تحمّل المرأة لتفصيلات المهنة، وتعارضها مع طبيعتها الأنثوية، علما هناك نساء في المغرب وإيران يمارسن المهنة وبإتقان منقطع النظير.
مخطط طموح
وكشفت وزيرة السياحة والصناعة التقليدية يمينة زرهوني إنّ الحكومة تحضّر لمخطط جديد يمتد إلى مطلع 2025 هدفه أن يكفل التنمية المستدامة للقطاع، وإعطاء دفعة قوية للصناعة التقليدية والحرف وجعلهما يسهمان في دعم الصناعة التقليدية والارتقاء بها إلى معايير الجودة التي تفرضها المعطيات الاقتصادية المحلية والدولية، وركّزت الوزيرة على الجانب الترويجي للمنتجات .
وتبدي الحكومة الجزائرية اهتماما متزايدا بقطاع الصناعات التقليدية، ووضعت له مخصصات بحدود 110 مليارات دينار«150 مليون دولار» منذ عام 2003، واستفاد من منح مالية إضافية تبعا لرهان السلطات على الأدوار التي يمكن أن تلعبها الصناعات التقليدية ضمن النشاط الاقتصادي العام، احتكاما إلى وزن ونوعية المنتجات اليدوية الصناعية التي تبرع الأنامل الوطنية في إنجازها، كالحلي والخزف والألبسة والمفروشات.
وشهدت الجزائر، إنشاء أول قرية للحرف، في سياق سعيها للقضاء على البطالة وخلق ثروات منتجة، تريد الجزائر دعم قطاع الصناعات التقليدية بحكم قدرته على امتصاص العاطلين عن العمل..
واكتساب يد عاملة معتبرة، علما إنّ مشروع قرية الحرف هو في حقيقته إحياء لهيكل قديم، طالما أنّ القرية كانت موجودة لكن محاولات تطويرها ظلت حبرا على ورق منذ سبعينيات القرن الماضي، رغم التطور الذي شهده القطاع وحجم منتجات الصناعات التقليدية الذي شهد ارتفاعا عبر مختلف مناطق البلاد.
حبرعلى ورق
تساءل الزبير عن مآلات الوعود المقدمة من طرف الدولة، مبرزا أهم العقبات التي تعرقل مسيرة ما تبقى من حرفيين،وهي ندرة المادة الأولية وغلائها وضيق المكان، والضرائب المفروضة بدل مساعدة المعنيين على تذليل المشاكل، التي تقف حواجز امام الابتكار.وقال للأسف بتنا أساطير تروى على مسامع الأشخاص للتسلي.
لغة الأرقام
عدد المشتغلين بالحرف في تناقص مستمر،وبدأالانخفاض منذ سنة 1965 فمن 20 إلى 25 نحّاسا نزل العدد إلى ثلاثة مزاولين فقط للمهنة.وهناك من زاولها منذ عام 1966.


