خلال مايو من العام الفائت، وبعد السور الحديدي الذي رفِع عند الكورنيش، محدّداً المساحة العقاريّة من قبل «المالكين» والشركات الاستثماريّة، جرى تسييج دالية الروشة على شاطئ بيروت بالأسلاك الشائكة التي تستخدمها الجيوش لحماية المواقع العسكرية والأمنية..

 فأقفلتها عن بيروت وناسها، خصوصاً أبناء الطبقة الوسطى والفقراء، ممّن لا يزال جزء كبير من طفولتهم «عالقاً» على صخور تلك الدالية، حيث بيوت الصيّادين و«مقاهي الغلابة»، في أرض أول احتفال عربي بعيد العمال عام 1907، ليبدأ الخطّ البحري بالروشة، ولا يزال أشبه بثكنة عسكرية.

وعمد بعض الناشطين حينها لرسم مجسّمات على الأسلاك لأشخاص يتسلّقونها ويجتازونها، بحملة ارفعوا ورشتكم عن روشتنا، للمطالبة برفع السياج الشائك الذي زنّر الدالية من حدود الكورنيش مع المقاهي المطلّة على الصخرة لمدخل فندق موفنبيك، وطالبوا بتفعيل أدوات التخطيط المدني لحماية الحيّز العام، حظر البناء على الساحل، بإلغاء المرسوم 4810 الذي يسمح بإشغال الأملاك العامة البحرية..

فرض تقييم الأثر البيئي لأيّ مشروع ونشر النتائج، تعزيز الدالية مكاناً عاماً وتكريسه كفضاء للتجمّع والتلاقي، والرسالة واضحة لمن يهمّهم الأمر: «الساحة لنا. مكاناً عاماً.. وسوف نبقى هنا».

وهناك على المقاعد التي صنعوها لأنشطة الدالية، عرض الناشطون للمواطنين بعض المعلومات عن المنطقة: «تبلغ مساحة الدالية 257 ألفاً و112 متراً مربعاً، نصف مساحة حرج بيروت، ونصف مساحة الجامعة الأميركية، وثلاثة أضعاف المدينة الرياضية، وهي أكبر 16 مرة من ساحة الشهداء و50 مرة من ساحة النجمة».

ورسم الناشطون، بالأشرطة الملونة، أجساد أطفال يلعبون ويقفزون في بحر الدالية، ولا تزال المجسّمات مكانها، لم تعبر الأسلاك ولم تدفع أحداً إلى انتزاع حقّ العبور نحو الجزء الرئيسي من ذاكرة الناس وتاريخ المدينة والأملاك العامّة البحريّة.

مشروع الخصخصة

وتأكيداً للهوية التاريخيّة للدالية، كانت «ألف دالية ودالية»، مسابقة أطلقتها الحملة الأهلية للدفاع عن دالية الروشة، برعاية وزارة البيئة، لطرح رؤى مغايرة عن الاستثمار العقاري لإعادة تنظيم الدالية كمساحة اجتماعية عامّة.

وتتوجّه لفرق من المهنيّين متعدّدي الاختصاصات وغيرهم لطرح رؤى مغايرة لإعادة تنظيم الدالية. على أن تُعرض التصوّرات حتى 26 مايو المقبل، ضمن معارض لتصاميم وتصوّرات مقترحة للمنطقة.

سطور الدالية

على دالية الروشة ولِدت رمز الحبّ الأبدي، عشتروت. هناك تزوجت أدونيس، وهناك أيضاً وَلدت ابنها إيروس.. هذا ما تقوله الأسطورة. والدالية في الأسطورة هي نفسها دالية الروشة اليوم، وفقاً للخبيرة في الميثولوجيا «علم الأساطير» نجاة نعيمة. «الدالية» أو «صخرة الروشة».. الاسمان يدلّان على مكان واحد.. الأول يأخذك إلى عالم الميناء البدائي للصيّادين وهو مكتظّ بالقوارب والشِباك..

والثاني لغز بأربعة معانٍ: موقع أثري يستقطب السيّاح لاكتشاف الصخرة والتقاط الصور بالقرب منها، ناحية عزلة ينفرد فيها العشّاق داخل سياراتهم بعيداً عن «حشريّة» الناس، مكان يتبارى فيه السبّاحون بالقفز من أعلى الصخرة إلى البحر ليحصلوا على البطولات والجوائز «كرمال عيون لبنان»..

ووسيلة انتحار مثالية ومجانيّة لليائسين من الحياة، ولو بالتهديد أحياناً، إن بنتيجة انعدام أمل عشيقين في تحقيق أحلامهما الغراميّة فينتحر أحدهما أو كلاهما، أو بسبب إفلاس يؤدّي بصاحبه إلى اختيار الموت.

تشظّي الموج

هي صخرة عنيدة متربّعة في قلب بحر بيروت، من الجهة الغربية، لم يملّ الموج التشظّي على أقدامها منذ آلاف السنين، دون أن تلين لها قناة أو تنحني لها هامة.. تماماً كـ«وجه بحّار قديم» أرسلت إليه المطربة فيروز سلاماً في أغنية «لبيروت» في عزّ أيام الحرب الأهليّة..

اكتسبت اسمها من «الروشة» (تعريب لكلمة la roche الفرنسية التي كانت تطلق أيام الانتداب على المنطقة التي تطلّ على الصخرة البحرية الكبيرة، والتي كانت تعرف سابقاً بمغارة الحمام)، أي كتلة صخريّة كبيرة مجوّفة في الوسط، تبلغ قمّتها ما يقارب 45 متراً بمتوسّط ارتفاع 25 متراً، تقاربت أجزاؤها إلى حدّ العشق، ما أحالها معلماً سياحياً،.

وتشهد عليها صخرة شاهقة مقابلة أكل عليها الدهر وشرب بعوامله قبل أن يترك رأسها مسنّناً.. تكوينها افتراضي، يرجعه علماء الجيولوجيا إلى فترة الزلازل العنيفة التي ضربت بحر بيروت الغربي في القرن الثالث عشر، ما أدّى إلى طمس معالم العديد من الجزر التي كانت مأهولة، في حينه، لتتربّع مكانها صخور كثيرة، ومنها هذه الصخرة.

الروشة وإيفل

يقال عنها إنها برج إيفل اللبناني، رغم أنه يصعب على اللبنانيين التعايش مع هذا النوع من الأمثلة.. فـ«صخرة الروشة» تقبع وسط البحر، بينما ينطح «برج إيفل» الغيوم برأسه من وسط إحدى الساحات العامة في باريس.. لكن للتشبيه تعليله، فأصدقاء لبنان الأوروبيون حالما ينظرون إلى صورة الصخرة يقولون: «لبنان»!