كشف وزير التعليم الفني المصري، دكتور محمد يوسف، أن استحداث وزارته في التعديل الأخير يؤكد اهتمام الدولة بخلق كوادر مؤهلة ومدربة على أعلى المعايير، لتلبي احتياجات سوق العمل في الداخل والخارج والحكومه جادة في سعيها لإعادة الاعتبار للعامل الفني المؤهل.
ونوه في حوار مع «البيان» إلى خطة تتبناها وزارته لتحسين صورة التعليم الفني، ومحو نظرة المجتمع المتدنية لخريجي المدارس الفنية، وإزالة كل العقبات والتحديات التي تقف في طريق تحقيق الاستفادة القصوى منه. وإلى نص الحوار:
ما تعليقك على خطوة تسمية الوزارة في التشكيل الأخير وأن تصبح أول وزير يتولى المنصب؟
يعني أن الدولة أدركت أخيراً أهمية التعليم الفني، وبدأت أولى الخطوات الجادة لوضعه في مقدمة أولوياتها، بما ينعكس على جودة العملية التعليمية ومستوى الخريجين ليتمتعوا بالمؤهلات المطلوبة لسوق العمل..
سواء داخل مصر أو خارجها، لأننا عانينا طويلًا من تدني مستوى خريجي التعليم الفني، وكانت شكاوى المصانع ورجال الأعمال لا تتوقف بسبب غياب التأهيل الكافي، فالمدارس الفنية كان يتخرج منها ملايين الطلاب، الا ان خبراتهم ضعيفة، ودون تدريب أو تأهيل عملي يمكن الاعتماد عليه في المصانع والشركات المختلفة. وقد بدأنا الآن فعلياً في وضع النقاط فوق الحروف.
هل يعني ذلك أن حكومة بلادك لديها رؤية خاصة لملف التعليم الفني؟
بالتأكيد، الحكومة لديها خطة واضحة للنهوض بالتعليم الفني، بل ويمكنني أن أقول إنها تعتبر طلابنا وشبابنا ثروة قومية إذا أحسن استغلالها فسيكون لها مردود إيجابي للغاية على الاقتصاد المصري، وعلى رفع معدلات الإنتاج، وذلك يحتاج بالطبع إلى تكامل وتنسيق كبير بين التعليم الفني والتدريب المهني والربط بين مراكز التدريب المختلفة والتعليم الفني..
وزيادة التواصل مع أصحاب المصانع ورجال الأعمال للتعرف على احتياجات السوق، وتصميم برامج تدريب تتماشى مع الفرص في الأعمال والوظائف المتاحة. وهدفنا السعي الجاد لامتلاك تقنيات حديثة وربط المناهج بسوق العمل لجذب الطلاب إلى المدارس الفنية، ونواجه في الوقت نفسه تحديات ومشاكل متراكمة من سنوات لا بد من علاجها بشكل سريع للارتقاء بمنظومة التعليم الفني.
ما خطتكم لتطوير التعليم الفني وتخريج عمالة مدربة ومؤهلة لسوق العمل؟
تطوير التعليم الفني لا بد أن يتم وفق منظومة متكاملة تشمل المدرسة والمعلم والطالب والمناهج، ولا بد أن تكون كل عناصر المنظومة مؤهلة بالقدر الكافي وقادرة على النهوض بالعملية التعليمية، خصوصًا أن طلاب المدارس الفنية في السنوات الأخيرة كان بعضهم مرادفًا للتسيب والإهمال، إضافة إلى نظرة المجتمع المتدنية لخريجي التعليم الفني ووضعهم في مرتبة متأخرة بين خريجي المدارس.
لذلك، فالحكومة لديها خطتان للتعامل مع طلاب التعليم الفني، الأولى طويلة المدى، تعتمد على تغيير جميع المناهج وتحويلها بالكامل إلى مناهج علمية وعملية للمساهمة في المزيد من التدريب قبل التخرج، وتشمل الثانية تدريب المتفوقين من الطلاب وإمدادهم بجميع المعلومات والطرق المعمول بها دوليًا في مدارس التعليم الفني.
عملية شاملة
هل يشمل التطوير استحداث تخصصات جديدة؟
التطوير عملية شاملة ومستمرة، وبالفعل لدينا الآن النية لاستحداث بعض التخصصات التي يحتاجها سوق العمل والتي يرتفع الطلب عليها في الداخل والخارج، وبالتالي يُجرى الآن العمل على استحداث تخصصات جديدة يتم العمل بها بدءًا من العام الدراسي المقبل..
ومن أهمها: تخصص الاقتصاد أو التدبير المنزلي للطالبات اللاتي يلتحقن بالمدارس الفنية لتعليمهن كيفية التخطيط لإنشاء مشروع صغير خاص، أو استخدام ما تعلمنه في تدبير شؤون منازلهن في المستقبل. وكذلك استحداث تخصص دبلوم أمني بالتنسيق مع التربية والتعليم. ومن التخصصات الأخرى المستحدثة، «اللحام تحت الماء» لأجل تخريج فنيين يمكنهم العمل في لحام السفن تحت الماء..
وهناك فنيون يتدربون بالفعل على ذلك في السويس لخدمة مشروع قناة السويس وغيرها. ما أريد قوله: إن هناك استراتيجية متكاملة من الحكومة للنهوض بقطاع التعليم الفني وتوفير كافة التخصصات المطلوبة في سوق العمل.
كيف ستواجه الدولة مشكلة نظرة المجتمع المتدنية لخريجي المدارس الفنية؟
لا بد من تغيير ثقافة المجتمع بشكل كامل، وتغيير نظرته إلى خريجي التعليم الفني عبر حملات مكثفة في وسائل الإعلام ودور العبادة والمدارس..
والتأكيد على أن العمالة الماهرة تسهم في تغيير الوطن نحو الأفضل. مع ضرورة الاستعانة بتجارب دول متقدمة صناعياً مثل ألمانيا في إقناع المواطنين بأنه يمكن التقدم من خلال الاهتمام بالتعليم الفني وبخريجيه، والعمل على إلزام رجال الأعمال وأصحاب المصانع بتوفير بيئة صحية تراعي توفر جودة العمل بالمصانع، وتطبيق معايير السلامة المهنية.
وكيف يمكن إقناع المواطن بأهمية إلحاق ابنه بالمدارس الفنية؟
أولا يجب الاعتراف أن سمعة التعليم الفني سيئة للغاية، ومعظم الآباء والأمهات ينظرون إليه على أنه درجة ثانية، لذا لا يهتمون بإلحاق أبنائهم في منظومته، بل يتهربون منه، وبالتالي نحتاج بعض الوقت لتغيير ثقافة الأسرة، بعد تعديل المناهج وتطوير التعليم الفني، عن طريق خلق آلية لتحقيق معايير الجودة، سواء في المناهج أو طرق التدريس النظرية والعملية..
والارتقاء بالورش والتدريب العملي للطلاب والاهتمام بالتعليم والتدريب المزدوج. وبالطبع فإن ولي الأمر لن يقتنع بأهمية التعليم الفني، إلا اذا ضمن ان خريجيه سيكون مستقبلهم واضحا، وسوف تتوفر لهم فرص عمل محترمة وبرواتب مجزية.
قائمة سلبيات
ما أهم سلبيات التعليم الفني وكيف سيكون التعامل معها؟
هناك قائمة طويلة من السلبيات في التعليم الفني في مصر، لكن أخطرها من وجهة نظري: غياب التنسيق بين التعليم الفني والتدريب المهني..
وعدم وجود ربط بين مراكز التدريب الموجودة في الوزارات والتعليم الفني بوزارة التربية والتعليم. فطلاب المدارس الفنية في مصر ينقصهم الانضباط والإيمان بقدراتهم وأهمية دورهم في المجتمع وحاجة الدولة لهم. وأهم ما يحتاجه الطلاب هو التدريب والتأهيل المناسب لاحتياجات سوق العمل.
تكامل
وما الآثار المترتبة على عدم وجود تكامل أو تنسيق بين تلك الجهات؟
هناك آثار سلبية كثيرة، أبرزها برامج التدريب التي يتم تنفيذها داخل المدارس والتي عفا عليها الزمن، ولا تتناسب مع التطور الكبير الذي حدث في الصناعة واحتياجاتها والتي تتغير بشكل سريع، فكل يوم تقريباً هناك جديد، وعليه لا بد من وجود تكامل حتى تتوافق برامج التدريب مع التكنولوجيا الحديثة، والتركيز على احتياجات أسواق الخليج والربط بينها وبين المناهج وطرق التدريس والتدريب والتأهيل.
كم يبلغ عدد طلاب التعليم الفني على مستوى الدولة؟
هناك أكثر من مليوني طالب، 50% منهم في التعليم الصناعي، و19% للتعليم التجاري. وأمام ارتفاع أعداد البطالة في التعليم التجاري، هفناك تفكير جاد في تحويل أغلبية مدارس التعليم التجاري إلى فندقي لارتفاع حجم الطلب المتوقع بالسوق على العمالة الفندقية مع استقرار الأوضاع الأمنية واسترداد السياحة لنشاطها الذي كانت عليه قبل 25 يناير..
وسط توقعات أن تكون مصر مركزًا كبيرًا لجذب السياحة الأوروبية في الفترة المقبلة.
هل هناك تعاون بين الوزارة والجهات الأخرى للاستفادة من الخريجين؟
يمكن تعظيم الاستفادة من الطلاب بعد تدريبهم بشكل كامل عبر بروتوكولات تعاون ستوقعها الوزارة خلال المرحلة المقبلة مع عدد من الوزارات، وفي مقدمتها وزارة الصناعة، واتحاد الصناعات والغرف التجارية والصناعية.
وقد بدأت الوزارة بالفعل برنامجًا طموحًا لتأهيل الطلاب، الا ان إمكانياتنا الحالية لا تستوعب الأعداد الضخمة، ونحتاج إلى دعم مجهوداتنا عبر منظمات الأعمال ومن رجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني المعنية.
خلال مؤتمر دعم الاقتصاد الذي عقد بشرم الشيخ أخيرًا، وقعت عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم لتنفيذ مشروعات عدة ما دوركم لإعداد طلاب التعليم الفني للمشاركة بتنفيذ تلك المشروعات؟
بالفعل تلك المشروعات فرضت علينا أعباءً جديدة لإعداد خريجي التعليم الفني للمساهمة في النهضة المتوقعة في السنوات المقبلة مع بدء تنفيذ تم الاتفاقات، فالأولوية ستكون للتعليم المنتج، ما يفرض علينا ضغوطًا كوزارة مستحدثة لتوفير العمالة الفنية الماهرة في وقت قصير جدًا وبمواصفات جيدة تتناسب مع احتياجات الشركات العالمية الراغبة في الاستثمار في السوق المحلية.
ونعمل الآن على تحديد التخصصات التي يحتاجها السوق حاليًا ومستقبلًا، وزيادة الجانب العملي في التدريب. وخلال فترة وجيزة، سيصبح خريجو التعليم الفني عملة نادرة ومطلوبة في سوق العمل وبرواتب كبيرة تفوق ما يتقاضاه خريجو الجامعات المعينون على وظائف مماثلة، وسوف تتهافت عليهم المصانع الكبرى التي تستورد عمالتها من الخارج.
ووقتها سوف تتغير نظرة المجتمع لخريجي التعليم الفني، ويصبح العامل الفني في أي مصنع من المصانع يتمتع بمكانة اجتماعية وأدبية جيدة في المجتمع، وسنضع المهن والحرف المطلوبة في المصانع ضمن مناهج وتدريب المدارس الفنية وبجودة وتقنية عالية..
وسيكون إعداد الطالب للوصول به خريجًا صاحب مهنة أو حرفة نادرة هو هدفنا الأول، وسننجح في ذلك فهناك إرادة سياسية وتصميم من الحكومة على إعادة الاعتبار للعمالة الفنية المدربة.
تجربة المانية
أشار دكتور محمد يوسف ان مشروع مصنع داخل المدرسة ومدرسة داخل المصنع فكرة تم استنساخها من التجربة الألمانية، وتحتاج لدراسة مستفيضة لمعرفة السلبيات والإيجابيات عند التطبيق، بتفادي السالب، وتعظيم الإيجابي، بما يحقق التكامل للطالب، حتى يصبح خريجًا كفؤًا مطلوبًا في سوق العمل.
وقد حققت تجربة مدرسة داخل مصنع نجاحًا مذهلًا، وهناك خطط للتوسع فيها لتخريج فنيين يعملون بتلك المصانع والشركات. وقد ظهرت عقبات بمشروع مصنع داخل مدرسة، حالت دون نجاحه، ليتوقف العمل حين حسم المشكلات.



