يفضل سكان الشرق الجزائري استقبال فصل الربيع كدأبهم كل سنة بممارسة لعبة الكرة الصغيرة أو ما يُطلق عليها «الكورة» التراثية، وهي محلية شهيرة شبيهة إلى حد بعيد بلعبة هوكي الحشيش. ووسط أهازيج وطقوس السكان ابتهاجا بالربيع زاهي الألوان كثير الاخضرار، تشهد دواوير ومشاتي منطقة ميلة الريفية الجبلية، احتفاء باللعبة التي تطبع نشاط الأيام الأولى للموسم. وتصنع الكرات من لفائف القماش، ويعد القوس الذي تقذف به الكرة من جذوع أشجار السدر.

وتشهد الممارسة كثافة واتساعا يميزها طيلة النهار، وتشهد حضورا قويا لمختلف شرائح المجتمع المحلي الصغير من الرجال والنساء والشباب والأطفال في أجواء طابعها المرح المندمج جديا مع زهو الطبيعة الخلابة المحيطة، حتى وإن لم يبق من ممارساتها سوى مربعات الحلوى الشهيرة بمسمى «لابراج» أو ما يعرف أيضا بـ«الغرس»..

وهي حلويات تبث الفرحة في نفوس الجميع، وتحضر بمزج الدقيق المحمص مع «معجون التمر» قبل طهيها على الطاجن المصنوع من الفخار. وتتشكل الفرق حسب الأمزجة، ودون عدد معين من اللاعبين، ويغلب طابع الطرافة على المباريات، إذ يواجه المتزوجون فريقا من العزاب، أو يتبارى شباب حي مع نظرائهم من أحياء أخرى، ولا تحتكم اللقاءات إلى قواعد حقيقية.

ويؤكد العم مقران «75 عاما» أنّ اللقاءات على ضراوتها، لا يسيرها حكام مثلما الشأن بالمنافسات الجماعية، والمتبارون يصطلحون قوانين صارمة يحرّم على أي كان المساس بها.

وبعد فترة فوضى عارمة ومرح يسود اللعب، تنتهي المواجهة فقط عندما يستطيع الفريق الأجدر أن يلحق الهزيمة بخصمه الذي يتجرع المرارة «الحلوة» للخسارة.

طقس جميل

عندما تتقاطع ضربات القوس حول لفة الكرة، يكتفي البقية بإطلاق صيحات التشجيع أو استغلال الطقس الجميل الذي يصاحب عادة «عرسا» بمناسبة مقدم فصل الربيع، وفي بعض الحالات يؤدي الحماس للظفر بالنتيجة لحدوث إصابات تتحملها الأرجل أو الأعين لغياب قواعد الحماية ما يؤدي لحدوث عاهات مستديمة تطال الجسم وتبقى حتى عمر متقدم للبعض.

وتنطوي الممارسة على كثير من النكات، عن عملاقين تواجها جسدا لجسد لغاية حلول الليل ومن شدة التصاق الكتف بالكتف - كما تقول النكتة - فقد غرق الغريمان إلى الركبتين في الأرض الموحلة، ما أدى إلى بلوغهما مستوى «مطمور» من القمح كان مغمورا في الأرض بعد أن فقد صاحبه معالم الوصول إليه منذ مدة.

ولم يكن صاحب الخبر السعيد سوى أحد المتصارعين على «الكرة الصغيرة»، ما جعله يستسلم لمنافسه، لينظم بعدها حفلا كبيرا دعا إليه سكان «المشتة» لتناول الكسكسي اللذيذ.

أنامل مبدعة

بحسب الحاجة يمينة «71 سنة» ذات الأنامل المبدعة في صنع الحلويات التقليدية، فإنّ الفصل الجميل أيضا معروف باستقباله بـ«كسرة الربيع» الدائرية والتي يتم دهنها بأصفر البيض، ولطالما صنعت تلك الكسرة الربيعية أفراح الأطفال في لعبهم عبر المروج والتي يتناولونها مع اللبن الطازج. وتعد بداية الربيع دائما بالمنطقة مناسبة جيدة لخروج النساء لخوض مباريات خاصة لـ«الكورة» ..

فيما بينهن أيضا على سبيل التنصل ظرفيا من التزاماتهن المنزلية ولو ليوم واحد على الأقل، وتلك مناسبة أيضا مواتية لشباب المنطقة للتخلص من واجب رعي الماشية من أجل اقتناص شريكة الحياة المستقبلية، إذ لم يكن نادرا أن يقدم شاب باقة ورد خلسة لمن اختارها قلبه على هامش مباراة تقليدية.