انتحر طالبان جزائريان بالعاصمة الفرنسية باريس، أحدهما ألقى بنفسه من الطابق السادس من عمارة بالدائرة الثامنة، حيث كان يقيم وعمره لم يتعد 24 عاماً، بينما أقدم الثاني على وضع حد لحياته في ضاحية سان دوني الفقيرة بطريقته الخاصة. ذلك ما تناولته الصحافة الفرنسية...

والحادث الأول لقي استنكاراً كبيراً في أوساط الطلبة المغتربين والعرب في عاصمة النور، والحادثان يكشفان الظروف الاجتماعية الصعبة التي يعيش فيها الكثير ممن جاؤوا من الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، يبحثون عن العلم والأحلام والمشاريع الجميلة، ليصطدموا بواقع آخر، أكبر من عزيمتهم على مواصلته والبقاء على مقاعد الجامعات.

جمعية الجزائريين من الضفتين وأصدقائهم، التي تساعد الطلبة العرب، دقت ناقوس الخطر بعد انتحار الشابين، ونددت خشية انتشار الظاهرة بشكل واسع وسط الطلبة المغتربين، في حال لم تسو أوضاعهم الاجتماعية الصعبة. قال رئيس الجمعية يوقرثن أياد في بيان تداولته وسائل إعلام محلية:

«اليوم في فرنسا يعيش غالبية الطلبة في فقر مدقع، وإمكانية تأجيرهم لمساكن باتت مستحيلة، فالأزمة الاقتصادية تعصف بكامل أوروبا، وسوق العمل فقيرة، ولا تقدم لهم شيئا«. وطالب اياد حكومة بلاده بالمصادقة على مادة تسمح بتقديم منحة 200 يورو لكل طالب يدرس في فرنسا، لتكون له عونا في حياته اليومية الصعبة..

فالطالبان المنتحران يضافان إلى العشرات من الحالات المماثلة التي شهدها العام الماضي، فالرسوب المدرسي، والمشاكل المرتبطة بتغيير الوضعية، والقانون المتعلق بالطلبة الأجانب، والمشاكل مع مديريات الشرطة من أجل تجديد الوثائق، وانعدام مصدر مالي يضمن لهم حتى لقمة العيش، كلها أمور تثقل كاهل أولئك الطلبة وتؤدي بهم إلى الهلاك.

واقع مرير

تتصدر فرنسا قائمة الجامعات في أوروبا، لذا جاء عدد كبير من الطلبة العرب، ومعظمهم من بلدان المغرب العربي، وحسب إحصاءات رسمية فإن طالبا من مجموع عشرة هو أجنبي، وواحد من ثلاثة هو مغاربي، معظمهم جاء من أجل الاستفادة من المستوى العالي للجامعات المحلية التي تأتي في المرتبة الرابعة عالميا حسب ترتيب Times Higher Education..

الا ان رحلة طلب العلم والاستفادة من المستوى العالي للجامعات والسعي للحصول على شهادات جامعية معترف بها عالميا، كثير ما يكون ثمنه غاليا بالنسبة للطلبة العرب، حيث سرعان ما تتحول يومياتهم إلى وثائق إدارية مع مديريات الشرطة، والبحث عن مسكن..

وإيجاد عمل، والتأمين الصحي، وأحيانا أخرى ذلك الهاجس اليومي النابع من متابعات الشرطة للذين ليس بحوزتهم وثائق الإقامة الشرعية التي تتيح لهم البقاء على التراب الفرنسي بكل حرية، وكل ذلك يمثل واقعا مريرا يزيد من التعقيدات الحياتية لهم.

وتبدأ هموم الطالب العربي، من البلد الأم قبل مجيئه إلى أرض الاغتراب، حين يبدأ بالبحث عن مسألة التسجيل في إحدى الجامعات، والعملية تتطلب الكثير من الصبر والمعاناة، بين الوثائق الإدارية وتأشيرة الدراسة، ويقول بلال لطبي من اتحاد الطلبة الجزائريين:

حلم الدراسة الذي يختلج بمخيلة كل طالب في غالبية البلدان العربية، سرعان ما يصطدم بالواقع الصعب بمجرد ملء استمارات التسجيل وطلب التأشيرة، والأصعب ضرورة امتلاك الطالب لمبلغ 7000 يورو في حسابه ليضمن للسلطات انه لن يكون عبئا على المجتمع، ومسكن أو شخص يتعهد بإسكانه.

وبعد اجتياز الطالب لتلك المراحل، يظن أن معاناته انتهت بنيله بطاقة التسجيل في الجامعة والتأشيرة، وبالعكس تبدأ الصعوبات الحقيقية بالوصول إلى فرنسا، فأمامه نوعان من المعاناة والتهميش، الأول معاناة إدارية والبيداغوجية المتعلقة بالوثائق وبطاقة الإقامة، ومشكلة اللغة..

والنظام الغربي الذي تسير عليه الجامعات، وهو مغاير تماما للموجود عربيا، ثانيا وهي معاناة اجتماعية ولعلها الأسوأ والأصعب لأنها مرتبطة بالسكن وإيجاد عمل يعيش منه، وتأمين صحي للعلاج، وعدم وجود مستقبلين له ليشرحوا نمط الحياة وطريقة المعيشة.

تشرد بالشوارع

أطلت أخيرا وسط الطلبة العرب ظاهرة «الخارجون عن القانون» أي طلبة بدون وثائق إقامة تسمح لهم بالعمل والتنقل والسفر بطريقة شرعية، فعند تسجيل الطالب في إحدى الجامعات لا تشترط الإدارة إن كان يملك وثائق إقامة أولا وكل ما تطلبه جواز سفره والتأكد من هويته الحقيقية...

وبذلك يجد عدد كبير منهم وبينهم أصحاب شهادات عليا بدون وثائق إقامة تمكنهم من البحث عن وظيفة ومنصب بعد التخرج، أو السفر للبحث عن ذلك في بلدان أوروبية أخرى، للذين تعودوا على العيش على النمط الأوروبي ولا يريدون العودة إلى بلدانهم. يقول حسام م الطالب بجامعة سارجي بونتواز شمال باريس: «أغلب الطلبة العرب الذين يأتون إلى هنا من بلاد المغرب وهم من عائلات متوسطة..

وبسبب العائق المادي اذ يسمح للطالب العمل ساعات محددة يوميا، وكثير منهم لا يتمكنون من تأجير ولو غرفة صغيرة ليجدوا أنفسهم متشردين ينامون إما في أقبية العمارات أو مدرجات الجامعات حالهم حال بقية المتشردين في الشوارع، ولعل الأمر الأصعب يكون لدى الفتيات، فكثير منهن آتين وبعد شهرين أو ثلاثة قررن العودة إلى بلدانهن لأنهن لم يتمكن من العيش هنا».

رحلة عذاب

خلاصة القول إن الطلبة العرب سيبقى معظمهم يتخبط في رحلة عذاب بين البحث عن مسكن ووظيفة ولو متواضعة لتساعده أموالها في تدبير معيشته أو تأمين بطاقة إقامة في مجتمع جاؤوا إليه بعدما فقدوا الأمل في المستقبل بأوطانهم.