تعلم ملايين المصريين من الأجيال التي أنجبت مفكرين وعلماء وساسة وزعماء دون أن يشتكي أحد من ظاهرة العنف في المدارس، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت مظاهر عنف باتت مادة مقررة كل يوم في وسائل الإعلام، من المقروءة إلى المرئية، ومع كل عصا يرفعها معلم تجاه تلاميذه يتخطفها الإعلام، لتظهر المعلم وكأنه وحش آدمي كاسر ..

وسادي منزوع الرحمة ومملوء بالعقد النفسية التي يفرغها من خلال تعذيب تلاميذه، والنتيجة ليست فقط ضياع هيبة المعلم، بل وأيضاً تعرضه لعنف عكسي من جانب التلاميذ. فقد حدث أخيراً مع معلم بمحافظة الإسكندرية تدخل لفض شجار بين تلميذين، فكانت النتيجة فقء عينه وتعرضه لضرب مهين.

وتوفي معلم آخر كمداً حينما تعرض لموقف مماثل، وكل ذلك صعب أمر التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف. والعنف المدرسي سلوك إيذائي يقوم به البعض تجاه الآخرين سواء نفسياً أو معنوياً، وينقسم إلى أنواع يأتي أولها الضرب باليد أو الدفع أو استخدام أداة، فضلاً عن التخويف، وهو النوع الثاني ويكون عن طريق التهديد، إلى جانب التحقير، وأخيرا السب والشتم.

وقد رصد المجلس القومي للأمومة والطفولة 289 حالة عنف ضد الأطفال داخل المؤسسات التعليمية خلال العام الماضي، وذلك ضمن بلاغات من الطالب أو ولي أمره، منها 103 بلاغات عنف بدني. وتضمن التقرير إشارة إلى تزايد حالات العنف المضاد من جانب الطلاب ضد المعلمين.

وأكدت دراسة لقسم بحوث الجريمة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن 30 % من التلاميذ يمارسون أشد أنواع العنف في المدارس، وأن نسبة 80 % من العنف يكون بين الطلاب فيما بينهم.

دور سلبي

وترجع استشارية العلاقات الأسرية شيماء إسماعيل، تفشي العنف المدرسي إلى عدة أسباب أولها عدم وجود بيئة سليمة لاحتواء الطلاب، حيث إن المدارس باتت محفوفة بالمخاطر المادية والمعنوية، فضلاً عن شعور الطالب بالخوف مما ينتظره في المدرسة، وهو ما يزيد لديه الطاقة السلبية العنيفة بهدف حماية الذات.

ومن جانب آخر فإن وسائل الإعلام لعبت دورا أفسد العلاقة بين الطلاب والمعلمين. ولا ننسى أن إحدى المسرحيات الشهيرة كان لها دورها السالب، وليس ببعيد عن ذلك دور وسائل الإعلام في تضخيم بعض الحوادث وإخراجها من إطارها التربوي الطبيعي.

وتابعت: لا يمكن رفع اللوم عن المنزل أيضاً، إذ فقد قدرته على توفير بيئة مناسبة للطالب، وعدم الاهتمام باحتياجاته الخلقية والنفسية، واكتفت الأسرة بالتعاطي مع الجانب المادي «المصروف»، إلى جانب استخدام العنف وسيلة للعقاب.

وعلينا إدراك أهمية دور الأسرة في تصحيح سلوكيات التطرف داخل نفوس الطلاب، فضلاً عن تعاون المتخصصين النفسيين في المدارس مع الأسرة، إلى جانب تقنين الأسرة والمدرسة لنسبة مشاهد العنف التي يراها الطلاب.

غياب الرادع

ويعزي الخبير التربوي الدكتور كمال مغيث الظاهرة إلى المتغيرات الاقتصادية التي يواجهها كل من الطالب والمدرس، وانتشار ظاهرة الدروس الخصوصية التي أفقدت المعلم هيبته وأصبح أداة في يد الطالب وولي الأمر، ما أثر على صورته لدى الطالب وانهار نموذج المعلم القدوة..

حيث فقد احترامه وقدرته على السيطرة على الطالب. ولم تعد علاقة الطالب بالمدرسة تترجم الصورة التربوية السليمة، بل أصبح يذهب للمدرسة للمحافظة على وضعه القانوني، وهو ما ينذر بانهيار منظومة التعليم والعلاقة بين الطالب والمعلم. وأشار إلى أن عدم وجود رادع وعقوبات ضد اعتداءات المعلمين على الطلاب والعكس، يزيد من نسبة الالتحام فيما بينهما، لافتاً إلى ضرورة تطوير المناهج التعليمية، لتسمو المعاني والقيم الأخلاقية.

وطالب الدراما ووسائل الإعلام بتجنب التركيز على النماذج السيئة، فتضخيم الحالات الفردية يحولها إلى ظاهرة جماعية لا تجد حلاً يرضي جميع الأطراف.

كمال مغيث: المتغيرات الاقتصادية وانتشار الدروس الخصوصية أفقدت المدرسة دورها