يفترض في الطفولة أن تكون أكثر المراحل في عمر الإنسان التي يرتوي فيها من نبع الحنان الصافي وأن يجد خلالها الاهتمام الكافي، ويعيش رفاهية الحياة ويعرف معنى بحبوحة العيش، وليس أقل من أن ينعم فيها بطفولة دون أعباء أو مسؤوليات فوق طاقته أو أكبر من قدرته..
وأن يغلَّف التعليم فيها بلمسة حانية تعده لمستقبل مشرق وآمن، إلا أن الواقع في مصر يعتبر مسألة أخرى، فغالبية أطفالها حُرموا من لحظات البراءة التي يفترض أن يحظوا بها، ولم يقتصر الأمر على الحرمان، بل الأكثر سوءاً تحولهم إلى أدوات تعمل بلا كلل، ودون حق في الشكوى من واقع مرير اسمه «عمالة الأطفال».
وحسب آخر الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن عدد الصغار من العاملين في الفئة العمرية من 5 - 17 سنة بلغ 9.3%، وهناك 61.9% منهم يعملون لدى أسر دون أجر.. وتضاعفت النسبة في أطفال الفئة العمرية بين 15 – 17 سنة لتصل إلى 88.9%، نسبة الذكور بينهم يمثلون أكثر من أربعة أضعاف الإناث.
ويعتبر الفقر أحد أهم الأسباب الرئيسة وراء عمالة الأطفال، إذ يُمثل نحو70% من أسباب نزولهم إلى العمل لمساعدة الأسر مادياً، فضلاً عن سوء جودة التعليم والعنف في المدارس وقلة الوعي والاهتمام المتدني من جانب الأسر بالتعليم، ما أدى إلى الكثير من حالات التسرب، وفي الجانب الآخر حالات الطلاق وزواج أحد الوالدين.
فرص تعليمية
وفي محاولة للتصدي للظاهرة، وقعت وزارة التعاون الدولي، في وقت سابق، اتفاقية تعاون مع الاتحاد الأوروبي وبرنامج الأغذية العالمية بالأمم المتحدة، بمنحة قدرها 60 مليون يورو، لتنفيذ مشروع «إتاحة الفرص التعليمية ومكافحة عمالة الأطفال في مصر».
وتستهدف أنشطة المشروع تقديم حوافز للأسر الفقيرة لتشجيعها على إرسال أطفالها للمدارس وخاصة الفتيات، وزيادة نسبة الالتحاق بالمدارس بنحو 100 ألف طفل من المعرضين للانخراط في الأعمال الهامشية...
وزيادة نسب الحضور إلى 80% من إجمالي أيام الدراسة، وتقديم وجبات غذائية يومية وحصص تغذية منزلية، وإدخال نظام الكوبونات لبعض الأسر لتسلم الحصص الغذائية، بما يسهم في تنوع النظام الغذائي للأسر، على أن يتم تنفيذ المشروع على مدار أربع سنوات، ويشمل 16محافظة .
ويوضح الرئيس السابق للمركز القومي للبحوث التربوية الدكتور كمال مغيث، أنّ عمر الإنسان يمر بمراحل تطور مختلفة، بداية من كونه جنيناً وحتى وصوله إلى سن الشيخوخة، ولكل مرحلة سمات نفسية محددة مرتبطة بالمتطلبات والاحتياجات والمدركات والأدوار المنوط بها عمله في كل مرحلة يمر بها، وتداخل الأدوار لأي مرحلة يحدث خللا نفسيا.
والطفل ليس منوطاً به أن يعمل ويكدح، بل المفترض أن يلهو ويتعلم فقط، لكن يزج به في ميدان العمل دون أدنى حقوق نتيجة للظروف الاقتصادية والجهل وغياب القانون. ومن السمات الأساسية لتلك الظاهرة، قمع الصغار وإجبارهم على العمل في ظروف قاسية جدا، وبأجور متدنية والعمل في بعض الأماكن الخطيرة مثل المحاجر ومصانع النسيج، فينتج عنها آثار سلبية نفسياً، فيميل للعنف، والإحساس بالحقد والكره تجاه المجتمع.
مشاكل اقتصادية
وترى أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس الدكتورة سامية خضر، أن الأطفال يشكلون ما يقرب من 40% من إجمالي سكانها، وتقف المشاكل الاقتصادية والفقر كأبرز أسباب التوجه للعمل، وهناك أسر تعتمد في جزء كبير من تغطية نفقاتها وتأمين مصروفاتها من خلال عمل أبنائها. وإذا كان من الصعب منع ظاهرة عمالة الصغار..
فلا أقل من أن تكون هناك شروط ومعايير للعمل، فإن كان الطفل يعمل مع الأسرة فلا ضرر في ذلك، أو إن كان ذلك خلال الإجازات الصيفية، المهم أن تتوافر شروط الأمن والسلامة في أماكن العمل ومتابعة الأسرة طوال الوقت والسعي لمعرفة معاملة أصحاب العمل للأبناء.

