يكتوي المقدسيون في فلسطين بنار الاحتلال الإسرائيلي وجحيم سياساته وقوانينه التي تستهدف إزاحتهم ليحل مكانهم المستوطنون اليهود، مع اختلاق أساليب رخيصة ومقيتة ومتعددة ودون تهاون في استخدام كل ما من شأنه التضييق على المواطنين بالتنكيل مرة وسرقة أموالهم بالضرائب والرسوم والتراخيص مرات بهدف إفراغ ما في جيوبهم، ليغادروا أرضهم هرباً من الضغوطات وليخسروا حقهم في دخولها ثانية. ورغم كل ذلك فإن طاقة صمود واحتمال المقدسيين فاقت كل التوقعات.

للوقوف على جوانب متعددة من معاناة أهالي القدس التقت «البيان» وزير شؤون القدس ومحافظها المهندس عدنان الحسيني، في حوار مطول أكد فيه أن مدينة القدس المحتلة تعاني من 26 مستوطنة مزروعة في خاصرتها، ويصل عدد المستوطنين الذين يسكنونها نحو 275 ألف يهودي، علماً أن 20% من الوحدات السكنية في تلك المستوطنات غير مسكونة.

 وكشف الحسيني جملة من القوانين التي أقرتها إسرائيل لمصادرة الأملاك العامة للدولة والخاصة بالمواطنين وسرقتها. وعن مشكلة توفير السكن التي يعاني منها الأهالي قال:

لا يوجد تنظيم هيكلي يمنح تراخيص للبناء في القدس الشرقية، والمساحة المسموح فيها بالبناء لا تزيد على 9 كيلومترات لـ 350 ألف مواطن. وهناك ما لا يقل عن 17 ألف بيت فلسطيني أنشئت في القدس بشكل غير قانوني بحسب القانون الإسرائيلي وباتت مهددة بالهدم. وفيما يلي نص المقابلة:

إلى أين وصل النشاط الاستيطاني في القدس المحتلة؟

هناك 26 مستوطنة، ويبلغ عدد المستوطنين 275 ألفاً وهو عدد كبير ونصفهم في الضفة الغربية، والمشكلة أن الاستيطان مستمر ولن يتوقف، ووتيرته تتحرك حسب الأوضاع السياسية..

وقد يتراجع قليلاً عندما تكون هناك ضغوط دولية على حكومة الاحتلال، وبذهابها يزداد الاستيطان. ويحاول الاحتلال الآن العمل على إضافة وحدات استيطانية للمستوطنات القائمة، حتى لا تكون هناك ردات فعل كبيرة، متذرعين بضرورة الزيادة بحسب النمو الطبيعي للمستوطنين، مع أن 20% من الوحدات المبنية غير مسكونة.

ما هي أهم القوانين التي تعمل إسرائيل بمقتضاها لمصادرة الممتلكات الفلسطينية؟

هناك مجموعة من القوانين التي تنتهجها حكومة الكيان لشرعنة ما تقوم به من مصادرة تحت مظلة الأغراض العامة والأمنية وهي سياسة قائمة منذ 67، وهناك قانون يتعلق بالأملاك الخاصة تستخدمه بلدية الاحتلال وعلى رأسها قانون أملاك الغائبين..

وبموجبه فإن كل غائب في حرب 67 من المقدسيين يعتبر غائباً عند حصر السكان، وهم لديهم أراض وبيوت، وإسرائيل تضع أيديها على تلك الأملاك، وتسلمها لجهات التطوير لتبيعها للمستوطنين، وجميع بيوت البلدة القديمة مهددة بسبب ذلك القانون الجائر. وهناك ما يسمى بأملاك اليهود بالقدس الشرقية الذين كانوا موجودين قبل عام 48.

ووضعت إسرائيل قانوناً في الكنيست يتمثل في أن أي عربي يسكن في بيت لليهود هو محمي لجيلين فقط، أما الجيل الثالث فلا حماية له، وبالتالي إن كان العقد باسم الجد عام 48 فإبنه يستطيع السكن بينما يمنع حفيده..

وبالتالي الحماية لا تنتقل بالوراثة بحسب حصر الإرث والوضع العادي لنمو العائلة، والقانون يستخدم كثيراً لإخلاء الناس وإبعادهم عن هذه البيوت وتسكين المستوطنين فيها. وهذه القوانين تستخدم لوضع اليد على الأملاك الفلسطينية الخاصة أما الأملاك العامة فهم يصادرون دون حرج ويهدمون ويطورون دون أي رادع.

ما حجم معاناة المقدسيين من أزمة السكن؟

لا يوجد تنظيم هيكلي لإعطاء تراخيص في القدس الشرقية، والتنظيم الموجود لا يزال كما هو منذ عام 67، حيث لم يتغير إلا في جوانب بسيطة ولخدمة الاستيطان والاحتلال، والغريب أن عدد السكان عام 67 في القدس الشرقية كان 56 ألف نسمة، وقد أصبح الآن 360 ألفاً.

ولم يطرأ على مساحة السكن أي جديد، ويلجأ الناس للبناء في أي موقع يخصهم دون ترخيص وبشكل غير قانوني وفقاً لحسابات الاحتلال وقوانينه، والمساحة المسموح فيها بالبناء لا تزيد على 9 كيلومترات وبقية القدس الشرقية وبالإضافات من قبل الاحتلال عام 82 بمساحة 72 كيلو متراً ليس لنا منها سوى الكيلومترات التسعة القديمة، ومن دون تنظيم هيكلي كامل، وقد تمنح رخصة خفيفة لمساحة صغيرة من الأراضي فقط.

توطين المستوطنين

كيف يتغلب المقدسيون على المشكلة؟

الأمور مقيدة ومحاصرة، والمقدسي ليس أمامه مفر إلا البناء في أرض يمتلكها خارج المخطط، وبعدها تبدأ المعاناة والمساءلة من قبل بلدية الاحتلال، بسبب البناء من غير رخصة ويبدأ تحرير المخالفات وفتح القضايا، وفي النهاية يهدم البيت ليتحول المالك إلى خيمة، وبات الأمر حالياً دون بناء، والهدم قائم ومستمر، وتلك عودة للوراء بدلاً عن التطور والتوسع الطبيعي نتيجة النمو الطبيعي للسكان..

وهذه مشكلة حقيقية، فنحن نتحدث عن 50 ألف وحدة سكنية للعرب في القدس الشرقية ثلثها غير قانوني في نظر إسرائيل. ونحن بحاجة الآن إلى بناء 20 ألف وحدة سكنية حتى نحل مشكلات جيل الشباب الراغب في الزواج. وإذا تم هدم الثلثين سنتراجع بمعدل 35% إلى الوراء..

وستكون هناك مشكلة في غاية الصعوبة، وكل ذلك يدفع الناس إلى الخروج من حدود البلدية حتى يهربوا من مساءلة البلدية ومشكلاتها ومخالفاتها وضرائبها، ما يعني تركه مركز حياته في القدس المتمثل في حدود البلدية..

وطالما أن مركز حياته تغير يصبح في يد رئيس البلدية أن يقول له «مع السلامة» هويتك مصادرة، وتلك جرائم لم تحصل في التاريخ. إنها عملية إزاحة قسرية لأجل توطين المستوطنين وذلك ما جعل وضع المقدسيين صعباً جداً من كل النواحي.

تهديد بالهدم

كم عدد البيوت التي تعتبرها إسرائيل غير قانونية وتستهدف هدمها؟

هناك ما لا يقل عن 17 ألف بيت غير قانوني بحسب السلطات الإسرائيلية، وجزء منها أصبحت قضايا في المحاكم وجزء آخر سيحول قريباً إلى المحاكم. إنها معركة طويلة الهدف منها خلق حالة من القلق والبلبلة لدى المقدسيين باعتبار أن بيوتهم ستهدم في أي لحظة، بالإضافة إلى إجبارهم لدفع كل ما يملكونه من أموال للبلدية والداخلية والمحكمة..

وكلها مصاريف ورسوم وابتزاز وسرقة أموال المواطنين، لدعم الاقتصاد الإسرائيلي في القدس، وبلدية الاحتلال مرتاحة للوضع، وغير معنية بحل القضايا وهدفهم أن تعلق القضية الواحدة في المحكمة عشرين سنة، لضمان استمرار المخالفات والغرامات، ومع كل سنة تتجدد المخالفة وتفرض غرامة جديدة..

وإذا عجز المقدسي عن الدفع يهدم بيته، وإن لم يهدمه بنفسه، تهدمه البلدية وترسل فاتورة الهدم لصاحب المنزل ليدفعها للبلدية، والاحتلال الظالم الذي لا يريد الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، ويسعى لبناء دولته على دماء الفلسطينيين.

ماذا عن الضرائب الإسرائيلية على المقدسيين؟

من يمتلك بيتاً في القدس ويسكنه يدفع ضريبة تسمى مسقفات أو «الأرنونا»، وتوازي أو تزيد على قيمة استئجار بيت، بمعنى أن البيت الذي مساحته 120 متراً يدفع عليه المستأجر 6000 شيكل ضريبة، والبيت إذا زاد على 120 متراً تتضاعف الضريبة، والمشكلة الكبرى تتمثل في أن المقدسي الذي يكون ساكناً في بيت يملكه، تتراكم عليه القروض ليعيش بالحد الأدنى..

والضرائب تفرض على القدس الغربية والشرقية والدخل لليهودي في القدس الغربية 13 ضعفاً عن العربي، وبالطبع اليهودي يستطيع الدفع والعربي لا، وتلك ضغوط كبيرة وحمل ثقيل، بجانب الوضع الاقتصادي الصعب الذي يدفع المقدسيين إلى الهرب خارج القدس..

وهناك تجار أغلقوا دكاكينهم، وفي البلدة القديمة 20% من المحلات مغلقة وباتت عرضة للمصادرة. والمعركة محتدمة وصعبة جداً، والمواطن يتحمل عبئاً لا مثيل له، في الوقت الذي لا نملك أن نقدم له شيئاً، فإمكانياتنا معروفة ومحدودة، فهناك حصار على السلطة وإسرائيل تحجز أموال المقاصة وتصادرها وتسرق جزءاً منها.

كم عدد البيوت التي تم هدمها العام الماضي؟

لقد زاد العدد على 100 ومنذ عام 67 ولغاية الآن هناك حوالي 2700 منشأة بينها عمارات تصل لسبع شقق، والرقم كبير ومستمر، ويزيد العجز في الاحتياج للبيوت والسكن.

ملف القدس للجنائية

هل سترفع جرائم القدس إلى المحكمة الجنائية على غرار الاستيطان والعدوان؟

في الأسبوع الأول من أبريل المقبل سندخل الجنائية بملفين كبيرين، الاستيطان والاعتداء على غزة، والملفان يوضحان بجلاء حجم الانتهاك الإسرائيلي، وذلك ما نريده في المرحلة الأولى حتى لا تأخذ القضايا وقتاً طويلاً.

فالمحكمة سوف تستمع للرأي الآخر وبالطبع هم مستعدون بالأكاذيب لتضليل العدالة، وينبغي القول إن ملف القدس معقد جداً، وأعتقد أنه من المناسب دخول الجنائية بالملفين المذكورين الاستيطان الذي يشمل جميع الأراضي الفلسطينية والعدوان والاستعداد جيداً في مرحلة ثانية لملف القدس.

ما حجم مساعداتكم للمقدسيين في ظل كل تلك المعاناة؟

من يحتاج محامياً نساعده ومن يريد أن يرخص نساهم معه في التكاليف، ونحاول دعم المؤسسات وكل عام ندعم جزءاً منها بحسب الإمكانيات المتوفرة لدينا، فمن المهم أن تبقى المؤسسات فاعلة في القدس، لترعى الناس وتحل مشكلاتهم وتنظم الفعاليات حفاظاً على الجيل الحالي من الانحراف ومحاولة إبعاده عن قضيته وهويته.

وهناك مساعدات وحوافز نقدمها للذين يعانون من جراء قوانين الاحتلال وضرائبه ورسومه، فالبيت الذي تقل مساحته عن 120 متراً تكلف رخصته 65 ألف دولار، علماً أن المبلغ نفسه يبني بيتاً مرخصاً في رام الله، ولدينا أقسام في المحافظة لمتابعة هموم الناس ومشكلاتهم والسعي لمساعدتهم، ونحاول أن لا يلجأ المقدسيون لحل خلافاتهم في المحاكم الإسرائيلية ونجتهد لوضع الإمكانيات للوصول إلى حلول منطقية.

مواجهة كبيرة

كيف يصمد المقدسيون في ظل هذه الظروف؟

صحيح أن هناك تهويداً واستيطاناً، ولكن هناك مواجهة كبيرة وتعطيل وتأجيل لإجراءات وأهل القدس يحاسبون الاحتلال في كل لحظة بصمودهم وصبرهم ومنعهم للكثير من المشاريع. ونحن على يقين أنهم في النهاية سيخرجون من القدس لتبقى لأصحابها، والمقدسيون عام 67 كان عددهم 65 ألف نسمة، والآن 350 ألفاً.

رسالة المقدسيين

قال المهندس عدنان الحسيني إن المقدسيين ليسوا بحاجة لرسالة، فهم أنفسهم رسالة، وأثبتوا ذلك، وأثبتوا أيضاً أن إسرائيل بكل إمكانياتها الأمنية والعسكرية لا تستطيع السيطرة على القدس، فالقدس يحكمها أبناؤها، والسيطرة في شوارعها لأبنائها ليلاً ونهاراً، وفي المناسبات والظروف الطارئة من يدافع عنها ويحميها هم أبناؤها، والمقدسات نحميها جميعاً وفي مقدمتنا نساؤنا المرابطات، وهذه هي القدس.