العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    شتلة مهملة في لبنان لا تلقى العناية والحماية

    الزعتر البري.. القطاف المعطر

    ربطة الزعتر البرّي بـ2500 ليرة لبنانية، ولا جدال في السعر، لأن بضاعتها بلدي مئة في المئة.. تشرح «أم غسان» للزبونة: «شمّي الريحة، هيدا زعتر واللي بالسوق زعتر؟». والزعتر الذي تعرضه «فاخر»، بدلالة اللون الذي «يوجّ» يلمع، والجودة والنوعية ركيزتان لسمعتها في الشارع الذي صار يحفظ صوتها منادية:

    «بلدي يا زعتر برّي». رأسمالها خضرة الأرض، وفي الغلّة عشرون أو ثلاثون ألفاً. نعمة في مهنة تعشقها، «السعتر»، ويسمى «الصعتر»، وهو نبات مشهور من الفصيلة الشفويّة، يكثر بصفة عامة في دول حوض البحر الأبيض المتوسط، ويطلق عليه صفة «مفرِح الجبال»، لأنه يعطّر الجبال برائحته الزكية، وهو نوعان: برّي، ونوع آخر يُزرع، تشرح..

    لكن «الله لا يسامح اللي كانوا السبب».. تسألها الزبونة عنهم وعن مقصدها، فتوضح: «اللي حرقوا الأرض، حرقوا معها الأخضر ورزقتي».. وتعود لتستطرد: «بس أنا بضاعتي مش من أرض محروقة، ولا من أرض شربانة من الصرف الصحي». من أين لك هذا اذاً؟، تضحك مصوّبة إصبعها الى الشرق: «من هونيك». وهونيك حتماً ضمن الـ«13» بالمئة المتبقّي من أخضر لبنان.

    تسرح بنظرها الى البعيد، كمن تلملم أفكارها، وتستذكر عبارة قالها يوماً إقطاعي هاجياً قريتها الجنوبية عيتا الجبل: «جبّ الزعتر لا ينتج رسّيناً»، في إشارة منه إلى أن أهل بلدته ممنوعون من التطوّر والتعلّم، مثلما أن جبّ الزعتر القصير لن يمكنه بلوغ طول «الرسّين» الذي يطول أمتاراً..

    وتقول: «يومها، نظرت إلى الزعتر الذي كنا نقطفه من المشاعات ونبيعه في أوقات الفراغ، وأردت أن أثبت للإقطاعي أن الزعتر ينجب رجالاً ومتعلّمين».

    إهمال الشتلة

    بدأت «أم غسان» رحلتها مع الزعتر البرّي.. فتّشت عن بذور الزعتر، ووجدتها في الشتلة نفسها. زرعت وعائلتها أرضاً مساحتها 600 متر مربع بشتول الزعتر التي فرّخت ملايين الشتول في ما بعد.. وبعد فترة، ذاع صيت زعترها في كثير من القرى المحيطة.

    والآن، تزرع نحو 14 ألف متر مربع بأنواع مختلفة من الزعتر، بعدما أجرت مقارنة بين زراعة التبغ وزراعة الزعتر. فالزعتر لا يحتاج إلى كثير عمل واهتمام يتطلبهما إنتاج التبغ وتصريفه.. وعلى الرغم من هذه المعطيات، تؤكد المزارِعة الخمسينيّة أن شتلة الزعتر مهملة في لبنان، ولا تلقى العناية والحماية الكافيتين، في ظلّ «المحاولات الإسرائيلية الدائمة للمضاربة على لبنان في هذا الصنف الغذائي».

    ومن بوّابة اقتناعها تماماً بهذا النوع من الزراعات، إذ من خلال مدخولها بنت منزلين لأبنائها، تسعى أم غسان إلى تطوير زراعتها، عبر تقطير زيت الزعتر، الذي «يباع الغرام منه بأربعة دولارات في الأسواق الفرنسية»، مع إشارتها إلى أن كيلو الزعتر ينتج ما بين 8 و13 ميلليتراً من الزيت.

    حقول خاصة

    و«أم غسان» واحدة ممن لم يكتفوا بالاعتماد على ما يجنونه من الأرض البور من نبتة الصعتر، بل عمدوا إلى زراعته وتدجينه في حقول خاصة قرب منازلهم، وذلك للاستفادة منه على مدى العام، وبيعه كصعتر أخضر للطعام في أشهر الشتاء..

    وصعتر للمونة في أشهر الصيف.. ينتظرون بفارغ الصبر، وتحديداً في البلدات والقرى اللبنانية، موسم الزعتر البرّي الذي يعرف بكونه موسم «الرزق الحلال»، والتسابق على قطاف تلك النباتات ليس هواية، بل إنها مورد رزق يوفر لهم بعضاً من «الأموال الموسمية»، إذ يعمدون إلى جمعها وطرحها في الأسواق لبيعها.

    هو موسم «الأكل النباتي الصحّي»، بالنسبة الى الحاجة «أم عماد» (70 عاماً)، التي تنتظر ظهورها من موسم لموسم، تسرح في الحقول تجمعها وتعدّها وجبات غذائية، مؤكّدة أن صحتها وغياب الأمراض عن جسمها مردّهما إلى حضور هذه «الأكلات البسيطة على موائدنا من أيام أهلنا»..

    كما تقول، مؤكدة أن هذا النوع من النباتات «لا تخلو من الفيتامينات والألياف، وهي وصفات علاجيّة لأمراض كثيرة، من بينها الحساسيّة الصدريّة وأمراض المعدة والقولون، و"بتاكل (تأكل) لقمة صحّية ميّة بالميّة"، بعيداً عن سموم الحداثة والعصر، وفق قولها.

    طباعة Email