كثيراً ما تتعامل المرأة بصمت مع حادثة تحرش يمكن أن تصادفها في الشارع أو مكان العمل، لا لأنها راضية، بل خشية نقمة الزوج أو ردة فعل الأهل، أو ربما خشية الفضيحة ولوم المجتمع لها، إذ إن ألسنة الناس لن ترحمها، وقد تفتك بعرضها وتجعل الإهانة التي تشعر بها مضاعفة.

في سنوات مضت، كان «الباص» أكثر أماكن وقوع حالات التحرش، لكثرة الازدحام الذي يجعل الاحتكاك بين أجساد الركاب ممكناً، وتتعرض خلاله الفتيات للتحرش من مراهقين ومدمنين ومن يعانون عقداً نفسية وكبتاً وحرماناً.

 وباتت المرأة تعاني في السنوات الأخيرة، من تحرش أخطر، بتعرضها لمضايقات في محل عملها ومن زملائها وأساتذتها في الجامعة..

ومن جهات أمنية مسؤولة عن حماية المدنيين، وحتى في قبة البرلمان وفق ما ذكرت إحدى النائبات للوكالة الوطنية، رافضة ذكر اسمها، تنتقد وجود نواب أو رؤساء كتل وأحزاب يتحرشون بزميلاتهم، أو يعرضون الزواج المؤقت في أحسن الأحوال، رغم المساحة الواسعة التي استحوذت عليها العراقية بالمشاركة السياسية.

وتنتقد الأستاذة بكلية الإدارة والاقتصاد الجامعية أسماء الجنابي،، بدورها المرأة ذاتها، بتشجيعها الرجال على التحرش بها، لارتدائها ملابس ضيقة تثير الغرائز، وانتشار الفقر بالبلاد زاد من خطورة الجرائم الجنسية، لعدم قدرة الشباب على الزواج، إلى جانب الانحلال الأخلاقي والاجتماعي الذي رافق دخول وسائل التكنولوجيا الحديثة.

وتختلف الباحثة الاجتماعية رغد عيسى في الرأي، إذ ترى أن هناك عقدة نقص لدى المتسلطين من الرجال بأماكن العمل والجامعات التي تضم نساءً كادحات، باستغلال حاجة المرأة للعمل ولقوعها تحت سلطتهم يبتزونها عند مطالبتها بحقوقها، أو بمحاربتها في مقر عملها، أو بمكان دراستها ومصدر رزقها حتى تتنازل.

والنساء مطالبات برفض الابتزاز ومجابهة التحرش بالقوة والمنطق حتى لو لم يؤازرها أحد، حتى تشجع غيرها من الراضخات لاستغلال أرباب العمل بالرفض. وعلى منظمات حقوق الإنسان المحافظة على مكانة المرأة ببنود قانونية تحميها.

عقاب رادع

وتدعو المحامية والناشطة النسوية فائزة بابا خان، إلى وضع مواد عقابية رادعة في القانون للحد من التجاوزات ووقف تأثيرها في واقع وحياة النساء، وأن تكون العقوبة أشد لممارسي التحرش ضد النساء، وعلى المنظمات النسوية أن تلعب دورها في مناهضة التحرش الجنسي عند النساء وتشجيعهن على الإبلاغ عن أي واقعة تحرش تتعرض لها دون خوف.

وتشير أستاذة علم النفس في كلية التربية الدكتورة ندى جواد، إلى أن ذلك السلوك غير الحضاري مرتبط بالجانب النفسي لشخصية المتحرش، فهو شخص غير منضبط نفسياً..

ويعاني اضطرابات مترسبة من الطفولة، منها التنشئة في بيئة منحرفة تشكل نظرة الرجل فيها للمرأة على أنها غير محترمة من قبل المجتمع، فيعمم صورة العقدة الراسخة في ذهنه ضد النساء كلهن، وسبب آخر يرتكز على علاقة الأم والأب ..

وما تحمله من عنف وتسلط وعدم احترام، فللتربية أهمية في صقل الشخصية الإيجابية والمتوازنة للإنسان، إلى جانب الكبت وعدم الإشباع النفسي والعاطفي، ما يجعل بعض الأشخاص منفلتين في سلوكهم الغريزي، واحتكاكهم الجسدي بالنساء لتعويض النقـص الداخلــي لديهــم.

التوازن النفسي

وتصف الباحثة النفسية ندى جواد المرأة التي ترضى بالتحرش بعدم التوازن النفسي، وبأنها لا تمثل إلا نفسها، مطالبة إياها بعدم السكوت حتى لو خسرت تفهم ومساعدة الآخرين، لأنها ستنتقم لنفسها على الأقل فلا تتحطم ثقتها بنفسها حين تضطر إلى الصمت أو الرضوخ لما تكرهه.

كما تنصح جواد المرأة – ضحية التحرش – بألا تلوم نفسها وأن تؤرخ وقت وقوع فعل التحرش، لتتمكن من مواجهة المتحرش عائلياً أو قانونياً بعد الاستعانة بأشخاص موثوق بهم ليشهدوا على تعرضها للتحرش، ثم مواجهته بصراحة والدفاع عن حقها الإنساني في ممارسة حياتها دون تحرش أو إهانات ذكورية متعمدة.

يحدث التحرش بكل أنواعه التي تشمل اللمس والكلام والمحادثات الهاتفية غير البريئة، غالباً من رجال يقفون بموقع قوة بالنسبة للأنثى، كالأستاذ مع طالبته، أو رئيس العمل بالعاملات، أو الطبيب بممرضته.

لذا تصبح توعية النساء ضرورة لمواجهة القوة بالحق والتعدي بالمنطق، حتى لو لم تجد من يساندها، ولابد من اهتمام القانون ومنظمات حقوق الإنسان بالمحافظة على مكانة المرأة عبر بنود قانونية تتناسب وحجم خروج المرأة للعمل لتمارس دورها بثقة.