ظاهرة التسول في العراق أخذت تنتشر بشكل غير مسبوق، بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة، وتظهر بالأسواق وعيادات الأطباء وكراجات السيارات، ومداخل الأحياء..
وأصبحت كثيرة الشبه بالحياة السياسية السائدة ، من حيث التنقل من مكان الى آخر، ومن أسلوب الى غيره، للحصول على المكسب، وعبر مجاميع، من دون مقار معلنة. والسؤال المطروح هل يستحق جميع المتسولين ما يقدمه لهم الناس من مال لسد حاجتهم، أم ان التسول بات تجارة رابحة يديرها مقاولون ويمارسها محترفون ليحصلوا على المال بسهولة ودون جهد كبير؟!.
وتروي الإعلامية عدوية كاظم، أن متسولاً عجوزاً عثر عليه في محافظة كربلاء ميتا في حجرته الفقيرة الخالية من الاثاث، بعد مرض استمر اياما، لم يزره فيها طبيب او يأخذه احد الى الطبيب، وعندما وصل «المختار» ليتولى أمر دفنه حاول البحث في حجرته عن أي غطاء يلف به جسده لنقله الى المستشفى، وسحب قطعة قماش قديمة مكومة في ركن الحجرة ليكتشف فجوة في الحائط تغطيها قطعة من البلاستك..
وعندما أزالها، اكتشف وجود كيس يحتوي على أوراق نقدية من فئات مختلفة، وهناك أكياس رتبها العجوز بطريقة يعجز عن اتباعها لص محترف، ورغم ثيابه الرثة كان يمتلك ثروة كبيرة إلا أنه لم ينتفع بها يوماً.
محاصصة مناطقية
وبمنطقة الدورة في بغداد، شوهد متسول يسحب جسمه سحبا بسبب فقدانه ساقيه، ويتنقل بخفة بين المركبات ليمد يده من نافذة السائق مثيرا الفزع في قلوب الركاب إذ لا يظهر منه إلا كفه، وعند وصول متسول آخر الى التقاطع نفسه، صار منظر الاثنين وهما يزحفان بين المركبات فريدا من نوعه في عالم التسول..
وفي التقاطع المقابل لجامعة بغداد في الجادرية لم يعد غريبا وجود ثلاث نساء كل منهن تحمل طفلا رضيعا ولا ينافسهن آخر بالمكان، ما يشير إلى ان هناك عملية توزيع فرص عمل متساوية للمتسولين وبأسلوب عادل تماما!، ففي كل تقاطع أو شارع مهم توجد شلة تتقاسم الإيرادات..
وتنوعت عاهاتهم التي يظهرونها ووسائل استجدائهم. ويبدو أن هنالك عقلاً مدبراً ومدير أعمال ناجحاً يقف وراء تنظيم عملية التسول التي لا تضاهيها أي مؤسسة أخرى في أسلوب التنظيم والإدارة!.
مافيات متخصصة
ويقول صاحب محل مواد غذائية بمنطقة الكرادة صباح حسين: إن التسول تحول الى مؤسسة مستقلة تضم متعهدين ومراقبين ومستخدمين ووفق ما نقلت عنه الوكالة الوطنية العراقية فهو يرصد يوميا مع أصحاب المحال الآخرين والمارة كيف يجلب المتعهد مجموعة من المتسولين في سيارة ولينتشروا بعدها في الشوارع..
حيث يؤدي كل منهم مهمة معينة، فهناك من يبيع البخور أو المناديل الورقية والعلكة، ونساء يحملن أطفالاً رضعاً ينامون طوال الوقت وكأنهم مخدرون، ومعاقون من الشيوخ والأطفال الذين فقدوا طرفاً أو عيناً بفعل فاعل أحيانا، وقبل هبوط المساء تعود السيارة لتجمع المتسولين وتعود بهم للسكن.
محاولات حكومية
ويسرد مسؤول بارز في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية محاولات الإسهام في القضاء على ظاهرة التسول، من خلال استحداث وحدة لإدارة ملف ظاهرة التسول والتشرد، بالتنسيق مع الجهات المعنية، فالوزارة كانت عضوا في لجنة الحد من الظاهرة التي تضم ممثلين عن وزارات الداخلية والدفاع والصحة والتربية وحقوق الانسان ومجالس المحافظات..
وقد حققت ما يتطلب منها ضمن الحدود المرسومة لها في بغداد ومحافظات أخرى من خلال صرف إعانات الحماية الاجتماعية على بعض المتسولين.
ما خفي أدهى
يؤكد الباحث الاجتماعي إياد النصراوي ما سبق، أن مسؤولية السيطرة على مافيات التسول تقع على وزارة الداخلية وأسباب تزايد التسول أخيرا كثيرة، منها البطالة وبلوغ العديد من المحافظات خط الفقر، فضلا عن تراجع الملف الأمني ما تسبب بنزوح جماعي لدرجة انتشار متسولين من سوريا والموصل أيضا في بغداد والمحافظات.
وهناك عوامل اجتماعية تشجع المتسولين على الاستمرار بممارسة مهنتهم، لما يدره التسول من أموال أو اتخاذه غطاء لممارسة أفعال أخرى كالبغاء أو التجسس، أو الالتحاق بمنظمات إرهابية، وتسرب الأطفال من مقاعد الدراسة لكسب المال ساعد على تفاقم الظاهرة، ويقال ما خفي فهو أدهى بل وأعظم.
