أطفالنا فلذات أكبادنا، وأحلامنا التي نسعى لتجسيدها على أرض الواقع على مر السنين، باهتمامنا المضاعف بهم، وسعينا إلى تجاوز العقبات التي صادفتنا في حياتنا، حتى لا تكون عائقاً أمام مستقبلهم الغامض، الذي تلفه عوامل مجهولة، وبعضها غريب بالنسبة إلينا.
هذا الجهد الأسري اللا متناهي، تتحكم به عوامل أخرى، بعضها يخرج عن سيطرة الأسرة، وتعتبر أكثر خطورة من أمور أخرى مادية وملموسة، قد نعتبرها تهديداً لمستقبلهم. أبرز تلك التحديات، هي المجتمع الذي بات شريكا في التربية بوجود عناصر تمثل بؤرا للفساد تستقطب صغار السن لعوالمها...
وهناك المدرسة التي انحصر الأمر فيها صوب التعليم بعيدا عن التربية. وتمثل أدوات العصر التكنولوجية خصوصاً وسائل التواصل الاجتماعي، دورا سالبا أصبح خصما على التربية داخل البيت في غياب دور الأب والأم وضعف بنيان الأسرة واختلال مسؤولياتها الاجتماعية، وبرزت أيضا بعض الصيحات التي لا تلائم أعمار أو بيئة أطفالنا، وتصبح مجاراتها أمراً حتمياً عليهم، حتى لا يكونوا منبوذين في مجتمعهم الخارجي.
عناصر تزداد خطورتها مع مرور الوقت، وتُدخل إلى معظم البيوت غرباء يساهمون بشكل كبير في تشكيل شخصية ومستقبل أبنائنا، أكثر من أي شيء، ما يجعل وجود الأسرة بشكل قوي ومتماسك في حياة الطفل قضية حتمية لخلق أجيال تحمل قيمنا ومبادئنا، لا صيحات وأسلوب حياة غيرنا.
ويرى البعض أن الحياة المعاصرة معضلة للجيل الحاضر الذي بات مختلفاً في طريقة حياته عن الجيل السابق، وهو ما يفرض تحديات كبيرة ليس للأسرة وحسب بل وللمجتمع.
آباء لا يعرفون سوى لغة القسوة في التعامل مع أبنائهم

أكّد استشاري الطب النفسي ورئيس مجلس إدارة مستشفى سيرين للطب النفسي بالبحرين البروفيسور عبد الكريم مصطفى أنّ »تربية الأطفال حلقة مفقودة في حياة الآباء على مستوى الأسرة والمدرسة والمجتمع«، مضيفاً: »لكي تكون طبيباً أو مدرساً أو مهندساً لا بد أن تدرس أكثر من عشرين عاماً، ولكن لكي تكون أباً لا عليك إلّا أن تتزوج، وبعد تسعة شهور أنت أب بلا دراسة ولا تدريب«.
واعتبر مصطفى في تصريحات لـ»البيان« أنّ »هذا جهل تتوارثه الأجيال، فتكرّر أخطاؤها جيلاً بعد آخر، فمن تربّى على الضرب من أبيه لا يرى وسيلة لتعديل سلوك ابنه إلّا بالضرب وهكذ..
ونندب حظنا إذا ما نشأت أجيال منحرفة أو مدمنة أو مكتئبة أو لديها رهاب اجتماعي أو غير ذلك من العقد النفسية«، لافتاً إلى أنّ »القضيّة من الدقة لدرجة أنّ متغيراتها كثيرة، واستيعابها يتطلب الكثير من التدريب والخبرة«، مردفاً:
»التعامل مع الطفل يختلف عن المراهق وحتى الطفل، في مراحل الطفولة المبكرة تفكيره عياني، إذا عاقبته فأنت تكرهه، وإذا كافأته فأنت تحبه، فهو لا يستطيع أن يفهم أنّ العقاب لمصلحته، وأنّ قطعة الشكولاتة قد يستخدمها الغريب ليستدرجه لما يضرّه«.
ظاهرة تنمّر
وأوضح استشاري الطب النفسي أنّ »من المشكلات التي أثبت البحث العلمي ارتباطها بكثير من الأمراض النفسية ظاهرة التنمر، وهي أن يقوم الأطفال بعزل زميل لهم والاجتماع على إيذائه وإطلاق أسماء مشينة عليه وإهانته وتخويفه وأخذ حاجياته منه عنوة«، مبيّناً أنّ »الآباء وحتى المربون في المدارس قد يرونه شيئاً عادياً، بما يجعل الطفل فريسة هذا الإعصار المسمى التنمّر«.
تفكير تجريدي
وأضاف: »أثبت البحث العلمي ضرر العقاب الجسدي على الأطفال، وكما قلنا إنّ تفكير الطفل العياني لا يمكّنه من فهم أنّك تضربه لمصلحته، لأنّ هذا تفكير تجريدي يستوعبه الكبار، فالطفل يفهم أنك تضربه لأنك تكرهه، وأنّه غير مرغوب فيه، وأنه لا أحد يحبه، وهكذا يضطرب جهازه المعرفي«، موضحاً أنّه »لدراسة هذه الظاهرة، أنشأت إحدى الولايات بأميركا خطاً ساخناً للإبلاغ عن إيذاء الأطفال..
ووجدوا أن هذا الإيذاء له ثلاث موجات سنوية، واكتشفوا أنّها مرتبطة بوصول التقرير عن مستوى الطالب الدراسي، فقرّروا أن يكتبوا على المظروف الذي يحتوي على هذا التقرير (إذا وجدت في هذا المظروف ما لا يروقك لا تضرب ابنك، اتصل على الخط الساخن، وسنقول لك ماذا تفعل)«..
وعلى الخط الساخن يوجد أشخاص مدربون يتكلمون معه ويعطونه خيارات لدروس تقوية ومتابعة، وهذه التوجيهات وجدوا أنها قضت على موجات إيذاء الأطفال، وتبين لهم أن الناس تضرب أبناءها حينما لا تعرف ماذا تفعل معهم، أما إذا تعلم الأب مهارة التعامل مع الموقف فلن يضرب ابنه.
تأثير عكسي
وقال عبد الكريم مصطفى: »المشكلة أن هذه المهارات من الدقة لدرجة أنّ عدم استيعابها بدقة يؤدي إلى تأثير عكسي، فإذا قلنا إنّ الأم أو الأب يحتاج إلى التكلّم مع ابنه، فلا يعني هذا أن يملله بالنصائح..
ولكن نعني أن يسمعه، أي يعطي الأب فرصة لابنه كي يتكلم معه، والغرض من ذلك بناء العلاقة بين الأبناء وذويهم، وإذا قلنا: على الأب أن يوجد لنفسه دوراً في حياة ابنه، لا يعني أن يضع أنفه في كل شيء في حياته، ولكن من خلال الإقناع والعلاقة يستوعب الابن احتياجه إلى أن يلجأ لأبيه وأمه في مسائل معينة«.
تصحيح مسار
وتابع البرفيسور: »إذا قلنا: ضع أنظمة للبيت يلتزم بها الجميع، وإذا لم يلتزم بالأنظمة المعمول بها بالمنزل يتكلّم معه مرات عدّة، ويغض الطرف عن الأخطاء البسيطة، ليعطي فرصة لأن يصحّح الابن نفسه بنفسه، ويعطي جائزة على السلوك الإيجابي، ويشجعه بالمدح وإظهار الاهتمام، وبعد كل ذلك يعاقب الابن بالحرمان من شيء يحبه في نطاق علاقة قوية بالأبوين يكون هو حريصاً عليها، وإذا قلنا:
كن نموذج يحتذى به، فلا تطالب الابن بالصدق وأنت تكذب، ولا تطالبه بعدم الأنانية واحترام البيت وانت لا تلتزم بذلك، وإذا قلنا: علمه كيف يختار أصدقاءه بحكمة، فعليك أن توجد له الفرص التي يعثر فيها على أصدقاء صالحين، وإذا قلنا: راقب ابنك، فيكون في نطاق علاقة قرب مفعمة بالحب والرعاية، وأنّك تحاول أن تكون هناك طوال الوقت للاستجابة لاحتياجاته، وليس للتضييق عليه«.
أطفال تونس في خطر.. توفّر التقنية وغياب الرقابة

تصطدم نزعة التربية الأسرية في تونس منذ أربعة أعوام بالخطاب التحرّري الذي تطلقه القوى السياسية والحقوقية، فيما يبدو الوضع مرشّحا لتأزّم أكبر من خلال غياب أية رقابة حكومية على مواقع الإنترنت في ظل سهولة وصول التونسيين إلى كل المواقع الإلكترونية، سواء ما يتصل منها بالجنس أو الإرهاب أو الجريمة..
بينما صدم المجتمع العام الماضي بأشرطة فيديو لأطفال يتغنون بتنظيم القاعدة وقادته من داخل رياض ومدارس قرآنية، تحوّلت إلى مراكز لغسل الأدمغة ونشر الفكر المتشدّد بين الناشئة، اعتمادا على تقنيات متطورّة في الصوت والصورة.
مخاطر حقيقية
ويرى الباحث الاجتماعي هشام الحاجي، أنّ »الطفولة التونسية تتعرّض لمخاطر جمّة، لاسيّما في ظل غياب الرقابة الأسرية نتيجة عمل الأبوين، إذ يستطيع الطفل الوصول إلى مواقع الكترونية تصيغ شخصيته المستقبلية بميول مناقضة لقيم المجتمع«، لافتاً إلى تسجيل عدد من عمليات الانتحار في صفوف الأطفال ورواج المخدرات بين طلاب المدارس بشكل غير مسبوق.
وأضاف الحاجي أنّ »التقنيات الحديثة من إذاعة وتلفزيون وانترنت وهواتف نقّالة وغيرها باتت عاملاً أساسياً في تربية الأطفال«، لاسيّما مع تراخي الأسرة وغياب الوعي المواكب للتحوّلات التقنية، سواء لدى العائلة والمجتمع أو المؤسسات التربوية التي يفترض أن تكون مؤتمنة على مستقبل الناشئة.
تخريب وعي
ويشير الإعلامي عمر الحاج علي إلى أنّ »الطفل في تونس يواجه مخاطر التقنيات الحديثة التي تكاد تقضي على فكرة القراءة والمطالعة وتجعل التلميذ يتجه مباشرة إلى الإنترنت لنقل الملفات التي يطالبه بها المعلّم دون أن يعي صحة المعلومات الواردة«، لافتاً إلى أنّ »بعض تلك التقنيات باتت تساعد على الغش في الامتحانات وتفتح أفق الجنوح والإجرام أمام الناشئة«..
فضلاً عن الإرهاب الذي يخترق مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي في ظل غياب الرقابة الحكومية، ما يتسبّب في تخريب وعي الطفل ويبرمج عقله الباطن على ظواهر شاذة كالقتل والسرقة والعنف والغش والمخدرات. ويضيف الحاج أنّ »وجود مشاهد على الإنترنت لطفل من داعش وهو يقتل رجالاً يؤثّر سلباً على سلوكيات الطفل ويحوّله لمشروع متطرّف«.
مخاطر صورة
ووفق الباحث في علم الاجتماع بلعيد أولاد عبد الله فإنّ »مراحل الطفولة تبدأ من المهد، أي أن يكون عمر الطفل أقل من عامين، ثمّ الطفولة المبكّرة ..
والتي تتراوح بين عامين وستّة أعوام، ثمّ الطفولة الوسطية، والتي تمتد من سنّ السادسة وحتى التاسعة، أمّا الطفولة المتأخرة فهي من التاسعة إلى سنّ الثانية عشرة، ثم المراهقة المبكّرة ويكون عمر الطفل فيها من 12 الى 15 عاماً، وأخيراً المراهقة المتوسطة من الخامسة عشرة إلى الثامنة عشرة عاماً«.
ويرى أولاد عبد الله أنّ »لتقنيات الاتصال الحديثة عدّة تأثيرات على سلوك الطفل إيجابية كانت أم سلبية باعتبار الخصائص الاجتماعية والنفسية للطفل«..
مشيراً إلى أنّ »الدراسات أثبتت مقدرة الصور والمضامين التي يبثها التلفاز أو وسائل الاتصال الأخرى على ترسيخ أفكار وتوجهات وتصرّفات الأطفال«، لافتاً إلى أنّ »بعض المواد الإعلامية والإعلانات تقف وراء ظهور بعض الظواهر الاجتماعية لدى الأطفال كالعنف والتدخين والانحراف والسلوكات الأخرى«.
أطفال ومخدرات
وكشف مصدر نقابي أنّ »عدد المتعاطين للمخدرات فى المؤسسات التعليمية في البلاد بلغ 30 في المئة«، مشيرا إلى المخاطر التي تهدّد النظام التربوي.
وأوضح رئيس نقابة التعليم التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل الأسعد اليعقوبي، أنّ »30 في المئة من تلاميذ المدارس والمعاهد يتعاطون المخدرات بكافة أشكالها«، مبيّناً أنّ »هذا المعدّل لا يوجد حتى في الدول المعروفة باستهلاكها الواسع للمخدرات«.
انتحار أطفال
ولعل ما يزيد من حجم القلق تسجيل حالات انتحار بين الأطفال بين 130 حالة شهدتها تونس خلال الشهور التسعة الأخيرة من 2014، إذ عثر على طفل يبلغ من العمر 8 سنوات من مدينة المطوية من ولاية قابس، بعد أن قام بشنق نفسه في منزل الأسرة بسبب ضعف نتائجه الدراسية، بعد ارجاع دفتر الإعداد.
نصف أطفال الأردن يتعرضون لإساءات بدنية ولفظية من الأباء والمعلمين

تجلس أم وديع أطفالها على كنبة في صالون البيت بسكون، في انتظار هدوء الأب الغاضب من شيء ما لا تعلمه، لتدرك الأسرة مع مرور الوقت أنّ تلفظهم بكلمة واحدة خلال ثورة الغضب للأب يعني عقاباً شديداً أقله العقاب الجسدي.
ما تعنيه رؤية الأب والشرر يقدح من عينيه هو: »لا حركة في البيت، لا صوت يصدر«، وأنه ستتم معاقبة أفراد الأسرة على أتفه الأسباب. محظوظون أفراد هذه الأسرة إذا قرر الزوج الخروج، عندها فقط تنفرج أسارير الزوجة وأطفالها.
استسلام
»معلش أنا متعودة، بس هالمسكينات البنات شو دخلهم، زوجي يعمل متقاعداً من جهاز الأمن منذ فترة واختلط عليه الأمر، ويعتقد أن وجوده في المنزل يشابه وجوده في السجن أو المركز الأمني«، تقول أم وديع: »كنت في السابق أجرؤ على القول له إن عليه أن يفرق بين حياته في البيت وحياته في المركز الأمني..
لكنني بعد فترة توقفت عن تذكيره، خشية من العقاب الذي كان يكيله لي«. أم وديع تقول إنها اعتادت على حياتها بهذه الطريقة، لكنها تخاف على طفلها الوحيد وابنتيها من أن تشكل قسوة والدهم شرخاً نفسياً لهم لا يمكن دمله.
زيارة معلّمة
بعد أن لاحظت إحدى المعلمات انطواء وديع ابن الثلاثة عشر عاماً، دعت والدته للحضور إلى المدرسة. لكن الوالدة لم تحضر رغم تشديد الطلب، فما كان من المعلمة إلا وزارتها في بيتها.
كانت المفاجأة كبيرة عندما استمعت المعلمة للأم وبجانبها الفتاتان والطفل على الكنبة لا ينبسن ببنت شفة في مقابل المعلمة التي حاولت الحصول على أية معلومة من أم وديع عما يجري في البيت من دون جدوى.أخيراً أم وديع تحدثت: »زوجي موجود، وصعب أحكي«.
قسوة أب
في اليوم التالي زارت أم وديع المعلمة في المدرسة وأخبرتها بالحكاية، واعتذرت لها عما جرى في المنزل. وقالت لها إن زوجها قاس، أفراد الأسرة يخشونه كثيراً، لهذا فهي لا تريد أن تحدث أي شيء يغضبه كي لا ينقلب يومها إلى عنف جسدي ولفظي.
حاولت المعلمة إقناع أم وديع بإخبار حماية الأسرة التي ستحميها بالتأكيد من ظلم الأب، لكنها رفضت قائلة: »من غير المعقول أن أسجن زوجي«. أسرة أم وديع ترفض أن تفضح نفسها، على حد قول الأم. وهي في انتظار حلول القدر، كما تقول.
حملات تثقيف
وتنظّم العديد من الجهات سواء الرسمية أو التطوعية حملات على مدار العام لتثقيف الأطفال والمراهقين بحقوقهم. وتحتوي معظم هذه الحملات على معلومات تفيد الطفل أو الطالب كيفية الإخبار عن تعرضه للإساءات.
ووفق دراسة محلية، فإنّ أكثر من ثلثي أطفال الأردن يتعرضون لإساءات لفظية من الوالدين، والمعلمين، والإداريين في المدرسة، كما يتعرض نحو نصف الأطفال لإساءات لفظية من الإخوة، والأطفال الآخرين في المدرسة.
وتحدثت الدراسة عن أن نحو نصف أطفال الأردن يتعرضون لإساءات بدنية من أولياء الأمور، والمعلمين وإداريي المدرسة.
ووفق الدراسة، فإن نحو 15 في المئة من الأطفال يتغيبون عن المدرسة ليوم واحد على الأقل في العام الدراسي لخوفهم من ضرب المعلم، وتهديده لهم، ووصفهم بألقاب.
اطمئنان منقوص
وعلى الرغم من أنّ الإحصاءات الرسمية تشعر المراقبين بالاطمئنان من أنّ الجهود الدافعة باتجاه الحد من ظاهرة العنف ضد الطلبة نجحت إلى حد ما، إلّا أنّ المسؤولية ما زالت كبيرة في محاولة لتقليصها.
وكانت وزارة التربية والتعليم أجرت مسحاً شارك فيه 64119 طالباً وطالبة سابقاً أظهرت نتائجه أنّ 45 في المئة من طلبة الأردن يعانون من عنف لفظي صراخ في الوجه، في حين بلغت نسبة العنف الجسدي ممثلة بالضرب بالعصا 40 في المئة، وبلغت أعلى نسبة للعنف الرمزي 38 في المئة حسم العلامات.
وأظهر المسح ارتفاعاً بنسبة ممارسة العنف بارتفاع مستوى الصف، إذ إن أعلى ممارسة للعنف وقعت على طلبة الصف التاسع، وأدناها على طلبة الصف الرابع.
